92
وعبد الرحمن الثالث هو الذي أصبحت الأندلس في أيامه أكثر بلاد العالم تمدينا،
93
ووضع على الإسبان جالية
94
يؤدونها، وكان فيما شرط
95
عليهم اثني عشر ألف صانع يصنعون له في مدينة الزهراء، وكان له اثنا عشر ألف من الخدم بمناطق الذهب، والسيوف المحلاة يركبون لركوبه وينزلون لنزوله، وكان يقسم الجباية أثلاثا، ثلث للجند، وثلث للبناء، وثلث مدخر، وقيل: إنه خلف في بيوت الأموال خمسة آلاف ألف ألف - ثلاث مرات متكررة
96 - وكانت جباية الأندلس يومئذ من الكور والقرى تربى على ستة آلاف ألف، أما أخماس الغنائم فلا يحصيها ديوان.
وتعددت الدواوين في الأندلس منذ أواسط عهد الأمويين فيها، ومن جملتها ديوان الشعراء؛ لكثرة غرامهم بالأدب والشعر واستحسانهم له، ولما ضعف الوازع السياسي في الأمويين ضعفت إدارتهم بضعف القائمين بها، وظل لتراتيبهم شيء من النظام اقتدى به، واتخذه إماما كل من دولة المرابطين، ثم الموحدين، ثم دولة بني نصر من بني الأحمر، وكذلك ملوك الطوائف الذين تقاسموا تلك الدولة في بعض أدوارها، واستقل كل متغلب أو أمير أو قاض بولاية أو ولايتين بسط عليهما سلطانه.
يقول ابن خلدون: إن يوسف بن تاشفين صاحب المغرب والأندلس لم ير في بلد من بلاده على طول أيامه رسم مكس ولا خراج، لا في حاضرة ولا في بادية، إلا ما أمر الله به، وأوجبه حكم الكتاب والسنة من الزكوات والأعشار وجزيات أهل الذمة وأخماس الغنائم، وقد جبى في ذلك من الأموال على وجهها ما لم يجبه أحد قبله، وقد رد أحكام البلاد إلى القضاة، وأسقط ما دون الأحكام الشرعية، وذكر المؤرخون أنه طلب من أهل البلاد المغربية والأندلسية المعونة بشيء من المال على ما هو في صدده من الجهاد فامتنعوا، وأباحها له بعض الفقهاء والقضاة، وأفتوه أن عمر بن الخطاب كان أضاق ففرض مالا في زمانه، وأجابه أهل الرأي: إن عمر ما اقتضاها حتى دخل مسجد الرسول وحضر من كان معه من الصحابة، وحلف أنه ليس عنده في بيت مال المسلمين درهم واحد ينفقه عليهم، فإذا فعل ابن تاشفين وحلف أنه ليس في بيت مال المسلمين درهم وجبت معونته.
ووقف علي بن يوسف بن تاشفين أيضا مع الشريعة، وآثر أهل الفقه والدين، وكان لا يقطع أمرا في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء، فكان إذا ولي أحدا من قضاته كان فيما يعهد إليه أن لا يقطع أمرا، ولا يبت في حكومته في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء، فعظم أمر الفقهاء في الأندلس، وانصرفت وجوه الناس إليهم، فكثرت لذلك أموالهم واتسعت مكاسبهم.
97
ومنذ عهد الأمويين في القرن الثالث كان في الأندلس مجلس شورى الفقهاء يعرضون عليه ما حزبهم من الأمور الشرعية، وأشكل عليهم من الأحكام، فينظر فيها نظرا بليغا، وهذا المجلس لم يعهد له نظير في دولة بني العباس ولا في غيرها.
ولما استولى جهور بن محمد على الدولة العامرية جعل
98
ما يرفع من الأموال السلطانية بأيدي رجال رتبهم لذلك، وهو المشرف عليهم، وصير أهل الأسواق جندا وجعل أرزاقهم رءوس أموال تكون بأيديهم يأخذون ربحها خاصة، ورءوس الأموال باقية، يأخذون ويراعون في الوقت بعد الوقت كيف حفظهم لها، وفرق السلاح عليهم، وأمرهم أن يجعلوه في الدكاكين والبيوت حتى إذا دهم أمر ليلا أو نهارا، كان سلاح كل واحد معه. وكانت أيامه في قرطبة على أحسن نظام وأكمل اتساق، وطريقة ابن جهور هذه من الإبداع في الإسراع بتعبئة الجيش، هي أيضا من إيجاد الأندلس وما تفردت به من الأوضاع.
واختلفت طرق الإنفاق على الجند في الأندلس فجرت أولا «على إقطاع
99
الأرض للأجناد، فكانوا يستغلونها ويرفقون بالفلاحين فعمرت البلاد وتوفرت الأموال، وتوافرت الأجناد والكراع والسلاح.» ولما رد ابن عامر عطايا الجند مشاهرة وقدم على الأرض جباة يجبونها، أكلوا الرعايا واجتاحوا أموالهم واستضعفوهم، فتهارب الفلاحون وضعفوا عن العمارة، فقلت الجبايات وضعف الأجناد، ولما فتح الملثمون