تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سار الأمويون في بدء أمرهم في الأندلس بسيرة بعض خلفائهم، وقضوا ألا يكون كاتب الزمام في مملكتهم نصرانيا ولا يهوديا، ثم دخل النصارى بعد حين في أعمال الدولة يتولون حتى العظام منها، وبنو أمية في إدارتهم بعيدون عن الجمود، يسيرون بما يستلزمه الزمان والمكان، وتهمهم المصالح والمنافع، ولا يتحرجون من الأخذ بجديد، لما خصوا به من عمائق الفطن، وقرائح العقول. وجملة الأمر أن الأمويين ما كانوا بالمبخلين ولا بالمسرفين، ولا بالضعاف الضعف الذي تضيع معه الحقوق وتفسد الأمور، ولا بالأشداء الشدة المفرطة التي تبغضهم إلى من يعملون معهم من الناس من وزراء وأصحاب ولايات.

جعلوا القضاء في الأندلس أعظم الخطط المتعلقة بأمور الدين، ويكون القاضي في المدينة الجليلة، ومسدد الخاصة في المدن الصغيرة، ويقال لقاضي القضاة قاضي الجماعة، وعمال الإدارة غير القضاة، ويتحتم أن يكونوا كلهم عارفين بالشرع، وأصول الحكومة وتراتيبها، وكانت خطة الاحتساب أو الحسبة أشبه بخطة القضاء، وهي تتناول أمور المدن والبياعات والعمائر، وكل ما يضر إهماله بالمجتمع، وما ينفع أتباعه فيه. والحسبة أشبه بأعمال المجالس البلدية والشرطة والصحة بمصطلح هذه الأيام، وكان لهم في أوضاع الاحتساب قوانين يتداولونها ويتدارسونها - كما تتدارس أحكام الفقه - وخطة القضاء وسيطة بين خطة القضاء

91

والمظالم، تجمع بين نظر شرعي وزجر سلطاني، وكان خلفاء الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعموم مصلحتها، ويتولى النظر في الحسبة فقيه في الدين، قائم مع الحق، نزيه النفس، عالي الهمة، معلوم العدالة، ذو أناة وحلم، وتيقظ وفهم، عارف بجزئيات الأمور، وسياسات الجمهور، لا يستفزه طمع، ولا تلحقه هوادة، ولا تأخذه في الله لومة لائم، مع مهابة تمنع من الإدلال عليه، وترهب الجاني لديه.

وقد يكون لخطة صاحب الشرطة النظر في الجرائم وإقامة الحدود، وإذا كان صاحبها عظيم القدر عند السلطان يكون له القتل لمن وجب عليه، دون استئذان السلطان، ولكنه يحد على الزنا وشرب الخمر، وكثير من الأمور الشرعية راجع إليه، ويعرف صاحب الشرطة عندهم بصاحب المدينة أو صاحب الليل، وهناك خطة أخرى أشبه بخطة الشرطة وهي الطواف بالليل، ويقال لأربابها أصحاب أرباع في المشرق، ويعرفون في الأندلس بالدرابين.

هذا إجمال في أوضاع الأندلس ومصطلحها، والأيدي التي كانت تديرها وتنفذها صالحة في الجملة، لصلاح ملوكهم ومعرفتهم الواسعة بمن يصلح لكل عمل؛ فقد كان هشام بن عبد الرحمن متحريا للعدل يعود المرضى ويشهد الجنائز ويتصدق بالصدقات الكثيرة، «ويبعث بقوم من ثقاته إلى الكور يسألون الناس عن سير عماله، ويخبرونه بحقائقها، فإذا انتهى إليه حيف من أحدهم أوقع به وأسقطه، وأنصف منه ولم يستعمله بعد.» ورأينا الاعتداءات والمصادرات تقل في الأندلس مدة ملك بني أمية فيها؛ لأن التضامن كان على أتمه بين الملك وحاجبه - أي وزيره - يختاره من أشرف الطبقات العربية، وهذا يختار العمال الصالحين والكتاب والحاسبين، وللقضاة إجلال دونه كل إجلال، وقل أن جاء من أصحاب القضاء الساقط في مروءته، الجائر في أحكامه، المصانع على قضائه، وكان من ملوكهم كالحكم من يباشر الأمور بنفسه، أو يسترشد بآراء الفقهاء والعلماء كمن سلف من أجداده، وله عيون يطالعونه بأحوال الناس، وقد شبهوه بالمنصور العباسي، والحكم أول من جند الأجناد، واتخذ العدة والسلاح، واستكثر من المماليك فصار له منهم خمسة آلاف، وكانوا يسمونهم الخرس لعجمة ألسنتهم، وقد جعلوا أفواجا على باب قصره وجعلهم في المرتزقة، واستكثر من الحشم والحواشي، وارتبط الخيول على بابه.

والحكم هو الذي ضرب سكان الربض، ربض قرطبة، لما تآمروا عليه ضربة قاضية، وأجلى منهم ستين ألفا هاموا على وجوههم في شمالي إفريقية ومصر، ثم في جزيرة إقريطش،

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٧٠