تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: إن جميع العباسيين معتقلون اعتقالا جميلا لا يخرجون ولا يظهرون ولهم المرتبات القائمة بهم.

وجاء الظاهر بعد أبيه الناصر يحسن إلى الرعية كل الإحسان ويحيي سنة العمرين ويبطل عدة مظالم ويسقط المكوس والضرائب، ومن ذلك أنه كان بخزانة الخليفة صنجة زائدة يقبضون بها المال ويعطون بالصنجة التي يتعامل بها الناس، وكانت زيادة الصنجة في كل دينار حبة فخرج توقيع الظاهر بإبطال ذلك وأوله:

ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون

وعمل صنجة المخزن قبل صنجة المسلمين، وكانت العادة في زمن أبيه أن يكتب الحراس بأخبار الناس فلما أتته مطالعاتهم قال: أي غرض لنا في معرفة أحوال الناس في بيوتهم؟ فلا يكتب أحد إلينا إلا ما يتعلق بمصالح دولتنا، فقيل له: إن العامة تفسد بذلك ويعظم شرها، فقال: نحن ندعو الله أن يصلحهم، ولما توفي وجد في بيت في داره ألوف رقاع كلها مختومة لم يفتحها فقيل له ليفتحها فقال: لا حاجة لنا بها، فإن فيها كلها سعايات، وجاء بعد الظاهر ولده الأكبر المستنصر صاحب المدرسة المستنصرية والآثار الجليلة في العمران وقالوا: إن أيامه كانت طيبة والدنيا في زمانه ساكنة والخيرات دارة والأعمال عامرة، ثم خلفه المستعصم وهو سابع ثلاثينهم وآخرهم وهو الذي قتله التتر فانقرضت به الخلافة العباسية من بغداد سنة 656.

إدارة دول الشرق والغرب

لما وافى عبد الرحمن الداخل الأندلس ألفاها ثغرا قاصيا غفلا من حلية الملك

90

فأرهف أهلها «بالطاعة السلطانية وحنكهم بالسيرة الملوكية»، بدأ فدون الدواوين وفرض الأعطيات، وجند الأجناد، وعقد الألوية، وأصل أوضاع الدولة، وأقام للملك آلته، على النحو الذي رآه في دار آبائه في الشام، «وأخذ يقعد للعامة ويسمع منهم، وينظر بنفسه فيما بينهم، ويتوصل إليه من أراده من الناس، فيصل الضعيف منهم إلى رفع ظلامته إليه دون مشقة.» وعظمت دولة الأندلس فكبرت الهمم، ورتبت الأحوال والقواعد، وظهرت الهيبة، وكان من شأن الأمويين مراعاة الشرع في كل الأمور، وتعظيم العلماء والعمل بأقوالهم، وإحضارهم في مجالسهم.

كانت الوزارة بالأندلس مشتركة في جماعة يعينهم صاحب الدولة للإعانة والمشاورة ويخصهم بالمجالسة، ويختار منهم شخصا لمكان النائب المسمى بالوزير فيسميه الحاجب، وكانت هذه المراتب لضبطها عندهم كالمتوارثة في البيوت المعلومة بذلك، ثم صار اسم الوزارة عاما لكل من يجالس الملوك ويختص بهم، وصار الوزير الذي ينوب عن الملك يعرف بذي الوزارتين - أي وزارة السيف والقلم - وأكثر ما يكون فاضلا في علم الأدب، ويدلون بالحجابة على حجابة السلطان عن العامة والخاصة.

ويقول ابن خلدون: إن دولة بني أمية بالأندلس نفوا اسم الوزير في مدلوله أول الدولة، ثم قسموا خطته أصنافا وأفردوا لكل صنف وزيرا فجعلوا لحسبان المال وزيرا، وللترسل وزيرا، وللنظر في حوائج المتظلمين وزيرا، وللنظر في أحوال أهل الثغور وزيرا، وأفردوا للتردد بينهم وبين الخليفة واحدا منهم ارتفع عنهم بمباشرة السلطان في كل وقت، فارتفع مجلسه من مجلسهم، وخصوه باسم الحاجب ، فارتفعت خطة الحاجب ومرتبته على سائر الرتب حتى صار ملوك الطوائف ينتحلون لقبها، ثم كان من دولة الموحدين أتباع دولة الأمويين، فقلدوها في مذاهب السلطان واختاروا اسم الوزير لمن يحجب السلطان في مجلسه، وأرجعوا الدواوين عندهم إلى صنفين من الكتاب: كاتب الرسائل وكاتب الزمام؛ أي كاتب الجهبذة أو كاتب الأشغال الخراجية، وتراقب السلطة العليا ما يصدر من أعمالهم، ويفيدنا تصفح تراجم رجال الأندلس، وتاريخ الرجال تاريخ السياسة، إن القائمين بالحكم من الوزراء والقواد والعظماء والعمال في هذه الديار كانوا أقرب إلى التعفف عن أموال الناس من رجال العباسيين، وكثير من الدول التي قامت في المشرق، وكانت دولة الأندلس إذا تأثلت حال الكاتب فيها نكب وصودر؛ لأن هذه الزيادة التي حصلت له «إما أن يكون قد أخذها بحق أو ظلم، فإن كان أخذها بحق كان متبرعا بها، لا يستحق لها زيادة على المسمى في جاريه، وإن كان ظلما وجب ردها على من ظلم بها، وكان عدوانا من العامل يؤخذ بجريرته.»

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٦٩