وأخذت الألقاب تكثر في الرسائل من كل صنف، ووضع الوزير ابن الفرات الألقاب في مخاطبة الملوك والأمراء والوزراء والعمال وفي مكاتبتهم،
85
وأنف الملوك ومن بعدهم من الوزراء من ذكرهم بسيدنا، واستقلوا خطابهم بمولانا، فعدل الناس بأولئك إلى الحضرة الشريفة والحضرة العالية والحضرة السامية، وبالوزراء إلى مثل ذلك، ثم كنوا عن الخلفاء بالموقف الأشرف المقدس وذكروه بالمقام الأطهر النبوي، ونقلوا الملك إلى الأشرف والأعظم، وقالوا في الدعاء: نوره الله ونصره الله إلى ما بعد ذلك من المغالاة والمبالغة، وانتهت هذه الحال إلى أن شاركهم فيها الأكابر من أصحاب الأطراف ووقفوا بالوزارة على الحضرة السامية، ثم ألحقوا بها المظفرة والمنصورة مع النسبة إلى الألقاب كالوزيرية والعميدية والكمالية وما جرى هذا المجرى، وداخلهم في ذلك من يتلوهم من خلفائهم وأصحاب الجيوش وأمراء العرب والأكراد.
86
كتب الإخشيد إلى عبده كافور الخادم في مصر: ومما يجب أن تقف عليه أطال الله بقاءك، أني لقيت أمير المؤمنين بشاطئ الفرات فأكرمني وكناني، وقال: كيف أنت يا أبا بكر أعزك الله؟ فرح بأن كناه والخليفة لا يكني أحدا، وكان المعتضد يكني في الخلوات طبيبه وفي الملأ يسميه، وهكذا أصبح الكبير يدهن للصغير والصغير يتقرب من قلب الكبير بالألقاب،
87
وصار الصغير يكتب في الكتب عبد فلان وخادمه وصارت عادة تكتب بها إلى جميع الوزراء، ولقبوا عمالهم أو المتغلبين على بعض أصقاعهم بملك الملوك وذلك بفتوى من العلماء، وأجازها بعضهم وأنكرها آخرون، ولقبوا أحد وزرائهم بسيد الوزراء وصدر الشرق والغرب، وأمر المستكفي أن تضرب ألقاب بني بويه على الدراهم والدنانير.
الإدارة في العهد العباسي الأخير
بعد أن آضت الخلافة إلى ما آضت إليه من الضعف، وصار الخليفة تابعا للملك أو المتغلب، لم يبق شيء يقال له: إدارة؛ لأن الخليفة لا يحكم حتى على بيته، بل أصبحت الإدارة إدارة ملوك الأطراف والشأن في السلطان شأنهم، لا تكاد تسمع للخلفاء اسما، ذكروا أنه لما ولي المستضيء شملت رحمته من كان في السجن حتى لم يبق فيه أحد إلا أفرج عنه، ومن وجد له بخزانته شيئا عليه اسمه أعاده إليه، وكل من كان في ولاية أعاده إليها، ومن وجد من ملكه شيئا تحت الاعتراض أفرج عنه وأعاده إليه.
88
وجاء الناصر فملأ القلوب هيبة وفتح البلاد البعيدة وكان رديء السيرة في الرعية مائلا إلى الظلم والعسف، ففارق أهل البلاد بلادهم وأخذ أموالهم، وكان يفعل أفعالا متضادة وكان يتشيع ويميل إلى مذهب الإمامية بخلاف آبائه، وطالت خلافته (47) سنة وكان منصرف الهمة إلى رمي البندق والطيور المناسيب ويلبس سراويلات الفتوة، والفتوة أشبه بجمعية فوضوية، فكان الفتيان يغتالون كل من يخالفهم حتى أفتى الفقهاء بعد ذلك العصر بتحريم الفتوة، وأنكروا نسبتها إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ومن قواعد الفتوة أنه متى قتل الفتى فتى من حزبه سقطت فتوته وعوقب، وإن قتل غير فتى عونا من الأعوان أو متعلقا بديوان في بلد الناصر سقطت فتوته بهذا السبب أيضا، وكتب الناصر منشورا وسلمه إلى كل واحد من رءوس الأحزاب وألزم الناس إجراء الأمر على ما تضمنه.
ولم يكن
89
للناصر وزير وإنما له خديم يعرف بنائب الوزراء، ويحرض الديوان المحتوي على أموال الخلافة وبين يديه الكتب فينفذ الأمور، وله قيم على جميع الديار العباسية، وأمين على الحرم الباقيات من عهد جده وأبيه، وعلى جميع من تضمه الحرمة الخلافية يعرف بالصاحب مجد الدين أستاذ الدار، هذا لقبه ويدعى له إثر الدعاء للخليفة. قال ابن جبير: ورونق هذا الملك إنما هو على الفتيان والأحابيش المجابيب منهم فتى اسمه خالص وهو قائد العسكرية كلها، أبصرناه خارجا أحد الأيام وبين يديه وخلفه أمراء الأجناد من الأتراك والديلم وسواهم وحوله نحو خمسين سيفا مسلولة في أيدي رجال قد احتفوا به، وشاهدنا من أمره عجبا في الدهر.