تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما حدث شغب في الجيش فأدى إلى قتل عامل أو وزير أو خليفة إلا كان السبب فيه على الأغلب تأخر أرزاق الجند أشهرا؛ ذلك لأن كل من كانت إليه الجباية يفكر في مصلحته قبل كل مصلحة على الأكثر، وقلما يتعادل دخل الدولة مع خرجها، والإسراف شامل قصر الخليفة فما دونه، لا تعد الدولة المال إلى حين الحاجة المبرمة على ما كان المنصور والرشيد، فقد كان الجند إذا شكا التريث في تقاضي رواتبه يعطى أشهرا بل سنة مقدما فتضمحل كل ثورة، وينطفئ لهيب الفتنة، «كان الخلفاء المتقدمون يجمعون الأموال ليقمعوا بها أعداء الدين والخوارج وليحفظوا بها الإسلام والمسلمين.»

يعيد الخلفاء إلى الخدمة من الوزراء، من كانوا غضبوا عليهم وسلبوهم، وذلك في الأزمات التي لا يستطيعون حلها، كما فعل مع علي بن عيسى، وأبي الحسن ابن الفرات، ومن كتاب عن المقتدر في شأن ابن الفرات «ولما لم يجد أمير المؤمنين غنى عنه، ولا للملك بدا منه، وكان كتاب الدواوين على اختلاف أقدارهم، وتفاوت ما بين أخطارهم، مقرين برياسته، معترفين بكفايته، متحاكمين إليه إذا اختلفوا، واقفين عند غايته إذا استبقوا، مذعنين بأنه الحول القلب، المحنك المحبب، العالم بدرة المال كيف تحلب، ووجوهه كيف تطلب، انتضاه من غمده، فعاد ما عرف من حده، فنفذ الأعمال كأن لم يغب عنها، ودبر الأمور كأن لم يخل بها.»

وهم الخلفاء في هذه الحقبة إذا كانوا على انتباه، وبمنجاة من شهواتهم وشرابهم، أن يخزنوا الأموال ويصادروا من طالت أيديهم إليهم من عمالهم، يستأثرون بما جمعوا لأنفسهم، أو لبيت مال الخاصة. حكى ابن مسكويه في معنى تبذير المقتدر للأموال، والتنفير من هذه الطريقة نصيحة ساقها للملوك ومدبري أمر المملكة، لئلا يغتروا بكثرة الأموال فيتركوا تثميرها، ويعدلوا عن التعب به إلى الراحة اليسيرة؛ لأن من كان هذا حاله يبتدر حينئذ ولا يلحق، ويكون مثله مثل البثق الذي ينفجر بمقدار سعة الدرهم ثم يتسع فلا يضبط، وقد ذكر أن المقتدر أتلف نيفا وسبعين ألف ألف دينار سوى ما أنفقه في موضعه وأخرجه في وجوهه، وهذا أكثر مما جمعه الرشيد وخلفه، ولم يكن في ولد العباس من جمع أكثر مما جمعه الرشيد فإنه خلف ثمانية وأربعين ألف ألف دينار، ولما تقلد المقتدر الخلافة كان في بيت مال الخاصة أربعة عشر ألف ألف دينار، وأخذ من أموال ابن الفرات في مصادرته ومصادرات كتابه وأسبابه أربعة آلاف ألف وأربعمائة ألف دينار، ومن ابن الجصاص الجوهري ألفي ألف دينار، ومن العباس بن الحسن ألفي ألف وثمانمائة ألف ألف دينار، ومن أموال حامد بن العباس ألفي ألف ومائتي ألف دينار، ومن الحسين ومحمد المادرائيين ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار، ومن علي بن عيسى وابن الحواري وسائر الكتاب ووجوه العمال المصادرين ألفي ألف دينار، ومن تركة الراسبي خمسمائة ألف دينار، ومن تركة المسمعي ثلاثمائة ألف دينار، وما حصل من أموال أم موسى وأخيها وأختها وأسبابها ألفي ألف دينار، هذا عدا خراج الأقطار وغيره من الموارد الكثيرة، ولقد شغبوا على المقتدر وطلب الجند الزيادة وشتموه ونهبوا القصر الملقب بالثريا وصاحوا: أبطلت حجنا وأخذت أموالنا وجرأت العدو وتنام نوم الجارية! فبذل لهم المال فسكنوا.

وفي ذاك الدور كان في بغداد أنواع من الدواوين منها ديوان المشرق وديوان المغرب، وديوان الضياع الخاصة والمستحدثة، وديوان الضياع الفراتية، وديوان زمام الخراج والضياع العامة، وديوان زمام النفقات والخزائن، وديوان الدار وديوان البر - وهو أشبه بديوان الأحباس - وديوان الصدقات وديوان زمام الجيش، وديوان الحرم وديوان الفص والخاتم وديوان الجهبذ وديوان زمام القواد، وديوان الخاصة وديوان الدار الأصغر الذي تنشأ منه الكتب بالزيادات والنقل.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٦٧