ونادى القاهر في بغداد بإبطال المغنيات والخمر والمخانيث وكسر آلات الطرب، على أنه لم يكن يصبر عن الشراب وسماع القينات، وقضى على أن تباع المغنيات على أنهن سواذج لا يعرفن الغناء ثم وضع من يشتري منهن كل حاذقة في صنعتها فاشترى منهن من أراد بأرخص الأثمان. قال ابن الأثير: «وكان القاهر مستهترا بالغناء والسماع جعل ذلك طريقا إلى تحصيل غرضه رخيصا، نعوذ بالله من هذه الأخلاق التي لا يرضاها عامة الناس.» وقيل: إن السبب في غضبه على إسحاق بن إسماعيل أنه كان أراد اشتراء جارية قبل الخلافة وكانت موصوفة بالجمال والغناء، فزايده إسحاق فيها واشتراها، وأن نصر بن حمدان كان أراد شراء جارية أخرى قبل الخلافة فاشتراها نصر وما زال به بعد الخلافة حتى قتله، وبضروب من مثل هذه السخافة لا تدار خلافة.
كان القاهر يحب جمع المال وهو أهوج طائش لا يعرف كيف يسير، ويقدم على سفك الدماء فيهاب رهبة منه لا رغبة فيه، أما خلفه الراضي فأحيا رميم الخلافة وختم الخلفاء في أمور عدة؛ منها أنه آخر خليفة له شعر، وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال، وآخر خليفة خطب على منبر في يوم جمعة، وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل إليه الندماء، وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه ومطابخه وشرابه ومجالسه وخدمه وحجابه وأموره جارية على ترتيب الخلافة الأولى، وآخر خليفة سافر بزي الخلفاء القدماء، وله فضائل كثيرة.
وفي أيام الراضي بطلت الوزارة من بغداد، وبقي ابن رائق الناظر في الأمور جميعها وتقلب عمال الأطراف عليها ولم يبق للراضي غير بغداد وليس له فيها حكم، وفي أيام المتقي عزت الوزارة وصغرت لضعف الدولة وصغر دائرة الخلافة، وكان الخليفة هو الذي يولي أرباب الوظائف من القضاة وغيرهم وتكتب عنه العهود والتقاليد لا يشاركه في ذلك سلطان، وكان قاضي القضاة ببغداد منذ عهد الرشيد يستخلف على قضاء الأمصار وهؤلاء يستخلفون نوابا عنهم في أقطارهم، ثم صار القضاء يقلده صاحب المال والجاه منذ القرن الثالث فما بعده، وربما توسط أهل البلد فكتبوا محضرا بطلب فلان وإسقاط فلان، ويكون العامة مع واحد والخاصة مع آخر، والعامة إذا دخلوا في مسائل أعلى من عقولهم كان الفساد في الأعمال.
وكان من القضاة من يجمع الألوف وعشرات الألوف من الدنانير مدة قضائه وهذا إذا كان قاضي القضاة، والقضاة يولون صغار القضاة في الأقاليم، وهناك ترى النفوس تشره إلى المال ولا يردها عن إتيان ذلك خوف الديان ولا خوف السلطان، أفسد الوزير ابن الفرات القضاة وفرق من جهة ثانية على طلاب الأدب ومن يكتب الحديث وعلى الشعراء مالا، ولم يفعل ذلك غير مسلمة بن عبد الملك في دولة بني أمية، فقد قيل: إنه أوصى بالثلث من ثلثه لطلاب الأدب، وقال: إنهم مجفوون أو أهل صناعة مجفوة، استتر ابن الفرات في دار أبي الأخوص البصري فحرج، فولي الوزارة فكافأه على جميله بأن قلده القضاء وكان ابن الأخوص بزازا. واختفى الوزير عبد الله بن وهب (388) عند ابن أبي العون التاجر وأراد أن يغنيه فأحضر التجار وسعر مائة ألف كر
83
من غلات السلطان بالسواد عليهم، فأباحها ابن أبي عون بنقصان دينار مما قرر به السعر على التجار، وباعه عليهم بسعر قرره معهم وأخرهم بالثمن إلى أن يتسلموا الغلال، وكتب إلى النواحي بتقبيضهم ذلك فحصل لابن أبي عون مائة ألف دينار، وجعله الوزير واسطة لقضاء مصالح الناس بالجعالة العالية، حتى أثرى إثراء عظيما من مال السلطان ومال رعيته، أعمال جائرة على الراعي ومن يرعاهم يقوم بها مهرة «بتحلب
84
الفيء وقتل النفوس وإخراب البلاد.»
ولقد كان الخليفة إذا مالت نفسه عن الوزير، أو أريد أن يغضب عليه بإيعاز أحد النافذين في دولته من كبار قواد مملكته، يسلمه إلى يد من يخلفه من الوزراء فيهلكه بالضرب والإهانة، وربما يقتله ويقتل بعض خاصته، أو يقر بما احتجن من أموال الدولة وأموال الناس، ويقبض على أسبابه وعلى عماله، وينالهم بسبب من ولاهم كل ضيم في أنفسهم، وإذا انفصلوا من الخدمة كانت قيمتهم قيمة اللصوص، ولما كانت الوزارة تنتقل بين أيدي بضعة أشخاص على الأغلب في كل دور، كان كل معزول يؤمل الرجوع إلى دست الوزارة، فإذا عاد فهناك الانتقام من كل إهانة وقعت عليه من الوزراء والعمال.