تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان من رسمه أن يغدو إليه الكتاب فيوافقهم على الأعمال ويسلم إلى كل منهم ما يتعلق بديوانه، ويوصيه بما يريد وصاته فيه ثم يروحون إليه بما يعلمونه من أعمالهم فيوافقهم عليها وعلى ما أخرجوه من الخروج وأمضوه من الأمور، ويقيمون إلى بعض الليل، وإذا خف العمل وقد عرضت عليه في أثنائه الكتب بالنفقات والتسبيبات والإطلاقات والحسبانات، نهض من مجلسه وانصرفت الجماعة بعد قيامه، وكان يقول: أصل العمارة وزيادة الارتفاع حفظ البذور ولن يتم ذلك إلا بالعدل، ويقول: الضمان يهب بالارتفاع كما يذهب الساكن بالعقار، ويقول أيضا: سبيل العامل أن يؤدب على الزيادة في المساحة كما يؤدب على الاقتطاع منها. ووقع إلى بعض العمال، وقد رفع إليه صاحب الخبر أنه صفع واحدا من التناء لتقاعده عن أداء الخراج: «في الحبس للتناء مأدبة، فلا تعامل بعدها أحدا بهذه المعاملة، فأمكنه من الاقتصاص منك.» وكان يستظهر في نفقات المصالح ويستكثر من إعداد الآلات على الأماكن التي تخاف الحوادث منها.

81

الآن وقد رسمنا صورة وزيرين عبقريين بإدارتهما وسياستهما أصبح من الواجب أن نمر مرا بسيرة وزيرين آخرين كانا بلاء على الدولة بجهلهما وقلة عنايتهما، عنينا بهما الخاقاني والخصيبي؛ فقد كان الخاقاني مدة وزارته متشاغلا بخدمة السلطان ومراعاة أعدائه، لا يقرأ الكتب الواردة عليه ولا النافذة، واعتمد على ابنه فقلده خلافته على الأعمال والتنفيذ للأمور، فتشاغل بالشراب، وما كانت الكتب تقرأ إلا بعد فوات الأمر الذي وردت فيه، وربما وردت الرسائل بالحمول، وكتب فيها سفاتج بمال، فتبقى أياما في خزانة الأب وابنه لا تفض ولا يعرف حال ما فيها، «وبسط يده وأيدي أولاده وكتابه بالتوقيعات بالصلات والإطلاقات والإقطاعات والتسويغات وتخفيف الطسوق

82

والمعاملات، وأخذ المرافق على إضاعة الحقوق وإسقاط الرسوم فسخفت الوزارة، وأخلقت الهيبة، وزادت الحال في اختلال الأعمال ووقوف الأموال، وقصور المواد، وتضاعف الاستحقاقات، واشتداد المطالبات، وشغب الجند شغبا بعد شغب، وتسحبوا على السلطان تسحبا بعد تسحب.»

وكان هذا الوزير يقلد في أسبوع واحد الكورة الواحدة عدة من العمال، وذلك لارتفاق أولاده وكتابه من العمال الذين يولونهم، ويتقرب مع هذه الأعمال الجائرة إلى قلوب الخاصة والعامة بأن يمنع خدم السلطان ووجوه القواد أن يترجموا رقاعهم بالتعبد، ويتقرب إلى العامة بأن يصلي معهم في المساجد التي على الطرق، فاتضعت الوزارة بأفعاله وذلت.

ومثله كان الوزير الخصيبي، يواصل شرب النبيذ بالليل، والنوم في النهار، وإذا انتبه يكون مخمورا لا فضل فيه للعمل، فيرد إلى غيره فض الكتب الواردة من عمال الخراج والمعاون وقراءتها والتوقيع عليها وإخراجها إلى الدواوين، وقراءة الكتب النافذة والإعلام عليها، وكانت تعمل له جوامع خاصة مختصرة للمهم مما يرد وينفذ فيعرض عليه إذا انتبه، فربما قرأه وربما لم يقرأه، وإذا كثرت الرسائل تقرأ عليه، وإلى أن ينفذ الجواب تتمرد البثوق وتتسع الفتوق، وتحتمل الغلات الأعراب، وتحدث الحوادث المفسدة لمعنى ذلك الكتاب، وكان أكثر هؤلاء الوزراء يضيعون الأموال ويخربون الملك، ويولون بالعناية، ويصانعون على الولايات بالرشوة، تولى المقتدر الخلافة نحو خمس وعشرين سنة فكان الوزراء يديرون الملك فإن كانوا من عيار علي بن عيسى وابن الفرات جرت الأمور على سداد، وإن كانوا من عيار الخصيبي والخاقاني كان البلاء ظلمات فوق ظلمات.

الإدارة على عهد القاهر والراضي ومن بعدهما

أفضت الخلافة إلى القاهر فأظهر في أول أمره من الجود والتقشف والتصون وبعد الهمة والاقتصاد والقناعة ما هابه به الناس، أراد قطع ثوب يلبسه فحمل إليه من داره فقيل له: لو أخذ لك ثوب من خزائن الكسوة؟ فقال: لا تمسوا لهم شيئا، وعرضت عليه صنوف الألوان والحلواء والفواكه التي كانت توضع بين أيدي الخلفاء في كل يوم فاستكثرها وقال في الفاكهة: بكم تبتاع هذه كل يوم؟ فقيل له: بثلاثين دينارا، فقال: نقتصر من ذلك على دينار واحد، ومن الطعام على اثني عشر لونا، وكان يصلح لغيره كل يوم ثلاثون لونا من حلواء فاقتصر على الكافي له.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٦٥