تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقرأ كتابا ورد من صاحب البريد بالموصل أن أبا أحمد الحسن قد قسط في الأعمال، ومد يده إلى المال، وزاد في إظهار المروءة، وركب باللبود الطاهرية، وبين يديه عدة حجاب وخلفه جماعة غلمان، حتى إنه يسير بينهم في موكب، وأنه وصل معه من البغال والجمال والزواريق التي تحمل أثقاله شيء كثير، وهذا إنفاق وتوسع لا يقتضيه الرزق وإنما هو من الأصول، فرمى ابن الفرات بالكتاب وقال لكاتبه: وقع عليه يجاب بأنه نفع الرجل من حيث أراد الإضرار به؛ لأنه إذا كان في مثل هذا الصقع عامل ذو وجاهة وتجمل ومروءة، صلح أن يتقلد للسلطان مصر وأجناد الشام متى أنكر من عمالها حالا.

وكان ابن الفرات يكره السعايات ويقطع الطريق على من يتجرون بالوشايات ويتقربون بها إلى صاحب السلطان، فمن ذلك أنه كان إذا أتاه إنسان بشيء من هذا أهانه، وقد ينادي الآذن علنا إذا أراد الاستئذان على الوزير: أين فلان الذي قدم كذا في السعاية، ولما جرت فتنة ابن المعتز واستظهر المقتدر

79

واستوزر ابن الفرات أحضرت إليه رقاع جماعة أرباب الدولة، تنطق بميلهم إلى ابن المعتز وانحرافهم عن المقتدر، أشار عليه بعض الحاضرين بأن يفتحها ويطالعها فيعرف بها الصدوق الصديق، فماذا كان من ابن الفرات؟ والوزراء في الغالب يتطلعون إلى عيوب الناس ويتخذون من مثل هذه الوثائق شكائم لبعض من يريدون استتباعهم أو وسائط للنجاة ممن يخالفونهم، كان منه أن أمر بإحضار الكانون وفيه نار فلما أحضر جعل تلك الرقاع فيه بمحضر من الناس ولم يقف على شيء منها، وقال للحاضرين: هذه رقاع أرباب الدولة، فلو وقفنا عليها تغيرت نياتنا لهم ونياتهم لنا، فإن عاقبناهم أهلكنا رجال الدولة، وكان في ذلك أتم الوهن على المملكة، وإن تركنا كنا قد تركناهم ونياتهم متغيرة وكذلك نياتنا فما ننتفع بهم. وهذا من حكمة الإدارة في سياسة الممالك والإحاطة التامة بمعرفة الطبائع البشرية.

ولما تقلد الوزارة في أول أمره أجرى كلا من حجابه وكتابه وأصحابه على رسمهم، وأقرهم على ما كانوا يتولونه من أمره لم يستبدل بهم، ولا استزاد فيهم، لاكتفائه بمن كان معه من غيرهم، وكانت أخلاقه وهو وزير، مثله وهو صاحب ديوان، وفي وزارته الثالثة صرف أصحاب الدواوين والعمال والمنفقين وأصحاب البرد والخرائط وأكثر القضاة وبعض أصحاب المعاون، وقلد هذه الأعمال صحابه وذوي عناياته فصار الأول أعداء له وسعاة عليه، وقال الناس: إنه قلد للعناية لا للكفاية، حتى قال الخليفة: أما كان في هؤلاء المتصرفين من يصلح للإقرار

80

على عمله؟ وهذه الطريقة مألوفة في الإدارات المستبدة يأتي الوزير فيقلد أصحابه وحملة عرشه الولايات والأعمال، حتى إذا نكب ينكبون بنكبته، فهم يتصرفون بتصرفه ويتعطلون بعطلته.

عزم ابن الفرات يوما على الصبوح وكان يوم الأحد ومن رسمه أن يجلس للمظالم فيه، ثم انتبه أنه لا يجوز أن يتشاغل بالسرور، ويصرف عن بابه قوما كثيرين قد قصدوه من نواح بعيدة وأقطار شاسعة مستصرخين متظلمين، فهذا من أمير، وهذا من عامل، وهذا من قاض، ويمضون مغمومين داعين عليه، فأجلس صاحب ديوان المظالم وشخصا آخر من خاصته، يستدعيان القصص ويوقعان منها ما يجوز توقيعهما فيه، ويفردان ما لا بد من وقوفه عليه ويحضرانه ليوقع فيه، وينصرف أرباب الظلامات مسرورين.

وعرض عليه في وزارته الثالثة وقد جلس للمظالم رجل عمري رقعة تتضمن شكوى حاله ورقتها، وأن عليه دينا قد ضاق ذرعه به، وعلى ظهرها توقيع أحد الوزراء بأن يقضى دينه من مال الصدقات فقال: يا هذا، إن مال الصدقات لأقوام بأعيانهم لا يتجاوزهم، ولقد رأيت المهتدي بالله، رحمة الله عليه، وقد جلس للمظالم وأمر في مال الصدقات بما جرى هذا المجرى فقال له أهلها: ليس لك يا أمير المؤمنين ذلك، فإن حملتنا على أمرك وإلا حاكمناك إلى قضاتك وفقهائك، فحاكمهم فخاصموه وإن شئت أنت حاكمتك، فقال له العمري: لا حاجة بي إلى المخاصمة، قال: الآن نعم أواسيك وأقضي دينك وفعل، وكان مبلغه خمسمائة دينار .

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٦٤