تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان يجري على خمسة وأربعين ألف إنسان جرايات تكفيهم، وخدم السلطان سبعين سنة لم يزل فيها نعمة عن أحد. قال الصولي: ولا أعلم أنه وزر لبني العباس وزير يشبهه في زهده وعفته؛ بلغه أن أسارى المسلمين في الروم ساء حالهم وأن الروم يحاولون تنصيرهم فغمه ذلك، ولما كان يعرف أن الخليفة لا يريد قتال الروم عمد إلى طرق سلمية فندب بطريق أنطاكية وجاثليق القدس أن يكتبا إلى الروم كتابا يقبحان هذه المعاملة ويتوعدان، فاضطرت دولة الروم أن تحسن معاملة المسلمين، وما عابوا على علي بن عيسى الوزير إلا أنه كان ينظر كثيرا في جزئيات الأمور فربما شغلته

74

عن الكليات.

منع علي بن عيسى من إكراه التناء والزارعين «على

75

تضمين غلات بيادرهم بالحزر والتقدير، وإلزامهم حق الأعشار في ضياعهم على التربيع، واستخراج الخراج منهم على أوفر عبرة، قبل إدراك غلاتهم وثمارهم، وإكراه وجوههم على ابتياع الغلات السلطانية بأسعار مسرفة مجحفة»، ولما غلب السجزية على فارس جلا قوم من أرباب الخراج عنها لسوء المعاملة ففض خراجهم على الباقين وكمل بذلك قانون فارس القديم، ولم تزل هذه التكملة تستوفى على زيادة تارة ونقصان، وجاءه قوم من أجلاء فارس وقالوا: نمنع غلاتنا وتعتاق في الكناديج

76

حتى تهلك وتصير هكذا «وطرحوا من أكمامهم حنطة محرقة» ونطالب بتكملة ما وجب عليها فتدعونا الضرورة إلى بيع نفوسنا وشعور نسائنا وأدائها حتى تطلق الغلة وهي على هذه الصورة، «ثم رموا من أكمامهم تينا يابسا وخوخا مقدودا ولوزا وفستقا وبندقا وغبيراء وعنابا» وقالوا: وهذا كله خراج لقوم آخرين والبلد فتح عنوة، فإما تساوينا في العدل أو الجور، فأنهى علي بن عيسى ذلك إلى المقتدر بالله، وجمع القضاة والفقهاء ومشايخ الكتاب والعمال وجلة القواد في دار الوزارة وقد جعلها ديوانا، وتناظر الفريقان من أرباب الشجر وأرباب التكملة، فقال أرباب الشجر: هذه أملاك قد أنفقنا عليها أموالنا حتى أنبتت الغروس فيها، وحصل لنا بعض الاستغلال منها، ومتى ألزمت الخراج بطلت قيمتها، وقد كان المهدي أزال المطالبة ورسم الخراج عنها، وقال المطالبون بالتكملة ما شكوا به حالهم فيها واستمرار الظلم عليهم بها، ورجع إلى الفقهاء في ذلك فأفتوا بوجوب الخراج وبطلان التكملة.

هذا تمثيل للإدارة على ذاك العهد وصورة من أعمال الوزراء، وبأمثال علي بن عيسى وابن الفرات كانت القوة تدخل على ملك بني العباس إذا عراه الضعف ويجبرون نقص الخلفاء، وبمثل الوزير الخاقاني والوزير الخصيبي ترجع القهقرى.

فإن كان علي بن عيسى بعيد النظر في أمور الدولة جد عارف بما يصلحها، عفا عن أموال الرعية، ساهرا على مصلحتهم الحقيقية، فإن ابن الفرات كان نافذا في عمل الخراج وتدبير البلاد وجباية المال وافتتاح الأطراف، وكلاهما من بلغاء الكتاب ومن العارفين بأدب الملك.

وكان للدولة رسوم في تخريج رجال الإدارة، ومما ذكروه أن بادوريا كان يتقلدها جلة العمال، قال ابن الفرات: سمعت أبا العباس أخي يقول: من استقل ببادوريا استقل بديوان الخراج، ومن استقل بديوان الخراج استقل بالوزارة؛ وذلك لأن معاملتها مختلفة وقصبتها الحضرة، والمعاملة فيها مع الوزراء والأمراء والقواد والكتاب والأشراف ووجوه الناس، فإذا ضبط اختلاف المعاملات واستوفى على هذه صلح للأمور الكبار.

شكي إلى ابن الفرات عامل قطربل وإغفاله عمل البزندات

77

فوقع إليه: ينبغي أن تراعي العمل قبل الوقت للوقت وفي الوقت للوقت، وكان يقول: العامل في أول سنة أعمى، وفي الثانية أعور، وفي الثالثة بصير، وقال لمن سأله تضمينه الصدقات بفارس: «إنما يرغب في عقد الضمان على تاجر ملي، أو عامل وفي، أو تان غني،

78

فأما أصحاب الحروب فعقد الضمان عليهم، ومطالبتهم بالخروج من أموالها، تستدعي منهم العصيان وخلع طاعة السلطان.»

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٦٣