70
وجمع تسعة آلاف ألف دينار فاضلة عن جميع النفقات وأراد أن يسبكها نقرة واحدة إذا أتمها عشرة آلاف ألف ويطرحها على باب العامة ليبلغ أصحاب الأطراف أن له عشرة آلاف ألف دينار وهو مستغن عنها «بعد النفقات الراتبة والحادثة، وإطلاق الجاري للأولياء في سائر النواحي وجميع المرتزقة بها وبالحضرة.»
الإدارة على عهد المكتفي والمقتدر وكلام في الوزراء
اكتفى المكتفي بنهج منهج والده المعتضد في الإدارة، وكان وزيره العباس بن الحسن يقول لنوابه بالأعمال: أنا أوقع لكم وأنتم افعلوا ما فيه المصلحة، وقد كان يأخذ الوزير سبعة آلاف دينار في الشهر راتبا، ومن الكبراء من فادوا بخمسمائة ألف دينار ليصلوا إلى الوزارة، ومنهم من أعطوا المنجمين مائة ألف دينار ليحتالوا على الخليفة ويغيروا خاطره على أحد وزرائه ثم يتوصلون إلى منصب الوزارة، دليل ناصع أن الخلفاء انحطوا والوزراء كذلك.
بيد أن قواعد الدولة لم تتزلزل دفعة واحدة؛ لأن المعتضد ثبت قواعدها، ومن يجيء بعده مهما ارتكب من الأغلاط لا يقضي على عامة التراتيب الموضوعة للخلافة منذ سنين، وقد خلف المكتفي في بيوت الأموال من العين ثمانية آلاف ألف دينار، ومن الورق خمسة وعشرين ألف ألف دينار، وفي رواية أنه خلف مائة ألف ألف دينار عينا وعقارا وأواني بمثلها.
واستخلف المقتدر طفلا، ووالدته وخالته وأم ولد المعتضد تدير الملك، حتى إن هذه السيدة جلست بالرصافة للمظالم تنظر في الكتب يوما في كل جمعة، فأنكر الناس ذلك واستبشعوه وكثر عيبهم عليه والطعن فيه، ولم يكن في جلوسها أول يوم طائل، وفي اليوم الثاني أحضرت القاضي فحسن أمرها وخرجت التوقيعات عن سداد، فانتفع بذلك المظلومون وسكن الناس إلى ما كانوا نافرين من قعودها ونظرها، فالمقتدر في سنيه الأولى خصوصا كان يتدبر بآراء النساء والحاشية، والسيدة وقهرماناتها ومن يجري مجراهن من نساء القصر، يتحكمن في كل أمر ويتدخلن في العزل والنصب، وأمروا صاحب الشرطة ببغداد أن يجلس في كل ربع من الأرباع فقيها يسمع من الناس ظلاماتهم، ويعتني بمسائلهم حتى لا يجري على أحد ظلم، وأمروه ألا يكلف الناس ثمن الكاغد الذي تكتب فيه القصص وأن يقوم به، وألا يأخذ الذين يشخصون مع الناس أكثر من دانقين في أجعالهم.
ورد المقتدر رسوم الخلافة
71
إلى ما كانت عليه من التوسع في الطعام والشراب وإجراء الوظائف، وكان في داره أحد عشر ألف خادم خصي من الروم والسودان، وزاد في أرزاق بني هاشم وأعاد الرسوم في تفريق الأضاحي على الفقراء والعمال وأصحاب الدواوين والقضاة والجلساء، وأسرف في الأموال فمحق من الذهب ثمانين ألف ألف دينار
72
وفرق في خمس وعشرين سنة ما جمعه المنتصر والمهتدي والمعتمد والمعتضد والمكتفي.
قيل: إنه كان بين ابن زبر القاضي وبين علي بن عيسى الوزير عداوة، وعجز ابن زبر عن رضاه فألقى رقعة في ورق المظالم، وفيها أن رجلا من خراسان رأى في ثلاث ليال متوالية العباس بن عبد المطلب في وسط دار السلام يبني دارا، فكلما فرغ من موضع تقدم رجل لهدمه، فقال له: يا عم رسول الله من هذا الذي بليت به؟ فقال: هذا علي بن عيسى كلما بنيت لولدي بناء هدمه، فقرئت الرقعة على المقتدر فقال: إن هذه الرؤيا صحيحة يصرف علي بن عيسى ويقبض عليه، فما جاء آخر النهار حتى وافى ابن زبر ومعه عهده بقضاء مصر ودمشق، فإن صحت هذه القصة كان تصديق المقتدر حيلة القاضي من أغرب ما أثر من ضعف العقول.
وعلي بن عيسى هذا أكبر وزراء ذاك العهد ومن الأسر العريقة في خدمة الدولة منذ أيام المعتضد
73
كان من الثقة والصيانة والصناعة على جانب، عامل المصادرين من الوزراء والعمال بالرفق، وكتب إلى كل واحد من العمال بما جرت العادة به من تشريف أمير المؤمنين إياه بالخلع، ورد أمر الدواوين والمملكة إليه، وأقرهم على مواضعهم، وأمرهم بالجد والاجتهاد في العمارة، وكتب إليهم بإنصاف الرعية والعدل عليها، ورفع صغير المؤن وكبيرها عنها، كما كان يطالب بتوفير حقوق السلطان وتصحيحها وصيانة الأموال وحياطتها، ونظر إلى من تعود اقتطاع الأموال السلطانية وإقامة مروات نفسه فيها، وقصر في العمارة واعتمد غيره، وعمر الثغور والبيمارستانات وأدر الأرزاق لمن ينظر فيها، وأزاح علل المرضى والقوام، وعمر المساجد الجامعة وكتب إلى جميع البلدان بذلك، ووقع إلى العمال وكتب إليهم في أمر المظالم وأمر بأن يستوفى الخراج بغير محاباة للأقوياء، ولا حيف على الضعفاء، وساس الناس أحسن سياسة، ورسم للعموم الرسوم الجميلة، وأنصف الرعية وأزال السنن الجائزة، ودبر أمر الوزارة والدواوين وسائر أمور المملكة بكفاية تامة وعفاف وتصون حتى أسقط الزيادات في إقطاعات الجند والعمال وغيرهم، لما رأى نفقات السلطان زائدة على دخله زيادة مفرطة تحوج إلى هدم بيوت الأموال وصرفها في نفقات يستغنى عنها.