تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

65

وجيء بالمعتمد فقسم المملكة بين ابنه وأخيه الموفق، فغلب أخوه عليه وشغل هو بلذاته، وكثر دخول الزعانف في القبض على الأعمال والفتن منتشرة؛ ومن أهمها فتنة صاحب الزنج، والموفق يقود العساكر، ويرابط ويرتب الوزراء والأمراء، وقيل: إن المعتمد احتاج إلى ثلاثمائة دينار فلم يجدها فقال:

أليس من العجائب أن مثلي

يرى ما قل ممتنعا عليه

وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا

وما من ذاك شيء في يديه

وطالت أيام المعتمد ولم يؤثر عنها إبداع جديد في الإدارة والسياسة، وكان ديوان الموفق مائة ألف مرتزق، وكان المعتضد حسن الإدارة، عمرت

66

مملكته، وكثرت الأموال وضبطت الثغور، كان قوي السياسة شديدا على أهل الفساد، وكان ولي والدنيا خراب والثغور مهملة، فقام قياما مرضيا فسكنت الفتن، وصلحت البلدان وارتفعت الحروب، ورخصت الأسعار، وهدأ الهيج، وسالمه كل مخالف، ودانت له الأمور، وانفتح له الشرق والغرب، وأديل له من أكثر المخالفين، وكان سريع

67

النهضة عند الحادثة، قليل الفتور، يتفرد بالأمور، ويمضي تدبيره بغير توقف، ولي الأمر بضبط وحركة وتجربة، وكف من كان يتوثب ويتشغب من الموالي.

وأمر المعتضد بافتتاح الخراج في النيروز المعتضدي وهو في حزيران من شهور الروم، وذلك للرفق بالناس، وكتب إلى الأقطار برد الفاضل من سهام المواريث على ذوي الأرحام، وإبطال ديوان المواريث، وكان من قبل يلحق كثيرا من الناس إعنات في مواريثهم، ويتناول على سبيل الظلم من أموالهم، ويتقلد جبايتها أناس يجرون مجرى عمال الخراج، شيء لم يكن في خلافة من الخلافات إلى أن مضى صدر من خلافة المعتمد، فجرى العمل بذلك على سبيل تأول، فأزال المعتضد ذلك وأمر أن يرد على ذوي الأرحام ما أوجب الله ورسوله وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود، وأن ترد تركة من مات من أهل الذمة ولم يخلف وارثا على أهل ملته، وأن يصرف جميع عمال المواريث في النواحي ويبطل أمرهم، ويرد النظر في أعمال المواريث إلى الحكام، وكانوا يرتادون القضاة من أهل البلاد نفسها.

وللمعتضد مذهب جميل في سياسة عماله؛ بلغه أن عامله على فارس أظهر أبهة في ولايته، وأنفق ما وقعت له به هيبة في نفوس الرعية، فسأل عن رزقه فقيل له: ألفان وخمسمائة دينار في الشهر، فقال: اجعلوها ثلاثة آلاف ليستعين بها على مروءته.

68

وكتب إليه في عامل عجز في ضمانه وهو مسجون بأنه كان في أيام ولايته يفرق عشرين كرا حنطة في كل شهر على حاشيته والفقراء والمساكين من أهل معرفته، وأنه فرق ذلك في هذا الشهر على عادته، فقال: سرني قيامه بمروءته ومعروفه، وعفاه من أداء مبلغ كان يطالب به، ورده إلى عمله وأحمد ما كان منه.

سارت الخلافة في طريق سوي على عهد المعتضد لسطوته ومهابته وعفته وإمساكه، فكان مع حرصه على إبقاء سلطانه يخافه عماله ويكفون عن المظالم، واستعمل بعضهم الشدة في حفظ الأمن، بلغ عامله بدمشق

69

أن رجلا أعرابيا في أذرعات نتف خصلتين من شعر أحد فرسان الدولة، فطلب الوالي معلما يعلم الصبيان وقال له: تخرج إلى اليرموك وأعطيك طيورا تكون معك فإذا دخلت القرية فقل لهم: إني معلم جئت أطلب المعاش وأعلم صبيانكم، فإذا تمكنت من القرية فارصد لي الأعرابي الذي نتف سبال الفارس وخذ خبره واسمه، فإذا رأيته قد وافى أرسل الطيور بخبره، ثم قبض على الأعرابي وقطع رأسه وصلبه وضرب الجندي مائة عصا وأسقط اسمه من الديوان؛ لأنه استخذى للأعرابي حتى فعل بسباله ما فعل.

كان من جميل سيرة المعتضد مع عماله وخوفه البطش بهم إذا جنوا ما يعاقبون عليه، أنه إذا نكب رجلا من جلة العمال ورؤسائهم وكل به من يحفظه من قبله وشدد الوصية في صيانته، ويظهر أن هذا التوكيل للمطالبة وزيادتها والتشدد فيها لا ليحفظ نفسه، لئلا يطمع العامل، وكان يقول: هؤلاء أكابر من العمال الذين قامت هيبتهم في نفوس الرعية وعرفوا أقطار البلاد، وهم أركان الدولة وأعضاء الوزارة والمرشحون لها، فإن لم تحفظ نفوسهم فسد الأمر. وهذه هي الغاية في الوقوف على نفسية العمال وحفظهم في أنفسهم، ومع هذه المسامحة واللين لم يرتفع السواد سواد العراق لأحد بعد عمر بن الخطاب بمثل ما ارتفع له أيام المعتضد،

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٦١