تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شدد على أهل الذمة لما أيقن أنهم كانوا يتطلعون إلى دولة الروم ويعملون ما يخالف مصلحة الدولة، وأمر بإجلاء النصارى عن حمص؛ لأنهم كانوا يعينون الثوار من اليمانيين، والثورة لا تكاد تنطفئ كل حين من حمص حتى سميت الكوفة الصغرى؛ لكثرة قيام أهلها على العمال، كما خصت تونس بالتشغب والقيام على الأمراء والخلاف للولاة.

وجاء المنتصر يقاوم العلويين كأبيه المتوكل ويكتب إلى عامل مصر (247) أن لا يقبل علوي ضيعة، ولا يركب فرسا، ولا يسافر من الفسطاط إلى طرف من أطرافها، وأن يمنعوا من اتخاذ العبيد إلا العبد الواحد، وإن كانت بين العلوي وبين أحد خصومة قبل قول خصمه فيه ولم يطالب ببينة؛ ذلك لأن العلويين ما ناموا ساعة عن المطالبة بالملك، فمثل هذا الأمر يضيق عليهم دائرة حركتهم، وإن كان في بعض ما يرمي إليه غير عادل.

إدارة المعتز والمهتدي والمعتمد

تولى المعتز الخلافة فأمر بإحضار جماعة ممن صفت أذهانهم، ورقت طباعهم، ولطف ظنهم، وصحت نحائزهم، وجادت غرائزهم، وكملت عقولهم بالمشورة، وحاول أن يتخلص من الأتراك وكانوا تأصلوا في جسم الدولة وروحها، وكانوا كثروا، وأي كثرة، في العاصمة والولايات، وقدرت أرزاقهم وأرزاق المغاربة والشاكرية في سنة 252 فكان مبلغ ما يحتاجون إليه في السنة مائتي ألف ألف دينار، وذلك خراج المملكة لسنتين، فإذا تأخر عطاؤهم فهناك المؤامرات والمشاغبات وخوف البدوات والنزوات والوثوب بالدولة.

وأسندت إمارة مصر لأحمد بن طولون (254) من الأتراك، واستبد بجميع أعمال مصر لما وسد إليه أمر الأموال، وكان الأمير في مصر من قبل ليس له إلا الجند والشرطة وللعامل النظر في الأموال، وكلاهما يراقب صاحبه، وهما متساويان في المكانة وربما تقدم العامل على الأمير. والأقباط منذ كان الإسلام يتولون النظر في الأموال؛ فتنظر إليهم الأمة نظرها إلى الصل والثعبان، ويراهم صاحب الأمر مختلسين، وكانت جمهرة جيش ابن طولون من المماليك والديالمة يشتريهم كما يشتري الرقيق، وبلغت عدتهم أربعة وعشرين ألف مملوك وأربعين ألفا من العبيد الزنج ومن العرب وغيرهم. أما ابنه خمارويه فقيل: إن عدة جيشه بلغت أربعمائة ألف فارس، وحسنت حال مصر على عهد ابن طولون ودر خراجها واستفاض عمرانها على كثرة ما سفك من الدماء، ولما انقرض الطولونيون خلفتهم الدولة الإخشيدية

64

فسارت على خطتها في إدارة مصر ولكن ليس المقلد كالمقلد.

تولى المهتدي (والدنيا كلها مفتونة) فحاول، إعادة الخلافة إلى رونقها، وأمر بإخراج الفتيان والمغنين والمغنيات من سامرا ونفاهم إلى بغداد، وأمر بقتل السباع وطرد الكلاب وإبطال الملاهي ورد المظالم، وجلس ليرفعها فرفعت إليه قصص في الكسور، فسأل عنها فقال وزيره سليمان بن وهب شيئا في تاريخ الخراج منذ عهد عمر إلى عهد المنصور فأجاب المهتدي: معاذ الله أن ألزم الناس ظلما تقدم العمل به ولو تأخر، أسقطوه عن الناس، فقال أحدهم: إن أسقط أمير المؤمنين هذا ذهب من أموال السلطان في السنة اثنا عشر ألف ألف درهم، فقال المهتدي: علي أن أقرر حقا وأزيل ظلما، وإن أجحف ببيت المال.

وكان المهتدي آخر الخلفاء الذين كانوا يتولون بأنفسهم القضاء والمظالم، وربما كانوا يجعلون القضاء والمظالم لقضاتهم كما فعل عمر مع قاضيه أبي إدريس الخولاني وكما فعل المأمون مع يحيى بن أكثم والمعتصم مع أحمد بن أبي داود، وربما كانت تجعل قيادة الجيوش للقضاة، وكان يحيى بن أكثم يخرج أيام المأمون بالصائفة إلى أرض الروم، وكان تولية هذه الوظائف إنما تكون للخلفاء أو من يجعلون ذلك له من وزير مفوض أو سلطان متغلب.

ولما هم الجند بقتل المهتدي خطبهم فقال: أما دين؟ أما حياء؟ كم يكون هذا الخلاف على الخلفاء، والإقدام والجرأة على الله، سواء عليكم من قصد الإبقاء عليكم، ومن كان إذا بلغه مثل هذا عنكم دعا بأرطال الشراب فشربها سرورا بمكروهكم، وحبا ببواركم، ثم ذكر لهم أنه لم يصل إليه من دنياهم شيء وأنه ليس في منازل إخوته وولده فرش أو وصائف أو خدم أو جوار ولا لهم ضياع ولا غلات، وكان حقيقة مقلا من اللباس والفرش والمطعم، وأمر بخراج آنية الذهب والفضة من الخزائن فكسرت وضربت دنانير ودراهم، وعمد إلى الصور التي كانت في المجالس فمحيت.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٦٠