كان الواثق في حلمه وحسن خلقه يشبه عمه المأمون؛ يحب العدل ويعطف على أهل بيته ويتفقد رعيته، حشم
62
الأمراء عن الظلم، وكان يجلس لحساب الدواوين بنفسه، وترك جباية أعشار سفن البحر، وكان مالا عظيما، وقيل: إنه سد باب اللهو والغناء أما هو فكان يسمع المغنيات ولا يتبذل ولا يسرف، واشتد على الناس كأبيه وعمه في مسألة خلق القرآن حتى قيل: إنه أمر في سنة 231، وهي سنة الفداء بين المسلمين والروم، أن يمتحن
63
أسارى المسلمين، فمن قال: القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة فودي به وأعطي دينارا، ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم.
كان لولي العهد في الممالك الثلاث التي قسمها الواثق بين أولاده، أو المملكة العباسية بأجمعها، الصلاة والمعاون، أي الشحنة والشرطة، والقضاء والمظالم والخراج والضياع والغنيمة والصدقات وغير ذلك من حقوق أعمالها، وما في عمل كل واحد منها من البريد والطراز وخزن بيوت الأموال ودور الضرب، يستخلفون على القطر الكبير حربا وخراجا، ويفوضون الأمور كلها للعامل يأذن إليه في الحل والعقد بغير استئماز ويخلعون عليه سوادا، أي إن القطر الواحد بل المصر الواحد يحكم برأي عامله وجماعة ممن يختارهم لمشورته ومعاونته، فينظر في الأمور بحسب فهمه وما يوحيه إليه المحيط والعادة والعرف، ويطبق الأحكام الشرعية على الكبير والصغير والملي والذمي، وينصب العامل الأكبر في الولاية العمال من ذوي الرأي والتدبير والخبرة والعلم بالسياسة، ويشاور الفقهاء وأرباب التجارب، وينفق من المال ما تصلح به الولاية، وما يوسع به على القراء والفقراء وذوي الحاجات، وما تقتضيه من عطاء الجند وتقوية الثغور وشحن المصالح، ثم يبعث بالباقي من الأموال إلى الخليفة، وللخليفة الخطبة والسكة، فإذا كان العامل يحسن عمله، ويعرف مدى التبعة الملقاة عليه، يستسيغ الخراج إن كان ذا قوة، أو آنس من جانب الحضرة ضعفا، ولا يرجع في العادة إلى استشارة العاصمة إلا في عويص المسائل التي يمكن تأجيلها، وتكون من حقوق الخليفة داخلة في أمهات المسائل الكبرى في الدولة، وقد يجتهد ويرتكب غلطا فتصرفه العاصمة إن أحسته أو توجعه في العقوبة، كما فعل المنصور لما بلغه ضرب عامله على المدينة عالمها مالك بن أنس فشق ذلك على الخليفة وأهان عامله وصرفه، ولكن كانت كتف مالك قد زالت عن مكانها بالضرب المبرح، فالعامل في الحقيقة هو الملك الفعلي، ولا يسع العاصمة إلا أن تقره على ما يقرر ويدبر في أكثر الحالات، وقد ظهرت مضار هذه الطريقة عندما كانت العاصمة تعجز عن ضبط كل شيء من أمور الولايات لضعف الخلافة ووناء القائم على سدتها، وإذا كان هناك قضاة وولاة وناظرون ومفتشون وكتاب وحساب فإن التنفيذ يختلف قوة وضعفا بحسب كفاية العامل وسلطان الخليفة والوزير.
خلع المتوكل على عبيد الله بن يحيى وأمر أن لا يعرض أحد من أصحاب الدواوين على الخليفة شيئا، وأن يدفعوا أعمالهم إلى وزيره ليعرضها، وأجرى له في كل شهر عشرة آلاف درهم، لما كان في نفسه من الأتراك واستبدادهم بالأمر، فكان عهده عهد جذب ودفع بين أصحاب الخلافة ومن رفعهم المعتصم على رقاب الناس من الترك، وعلق المتوكل يداوي الأمراض البادية في جسم الدولة بإنفاق المال الذي جمعه المأمون والمعتصم والواثق على نحو ما فعل الأمين؛ وهذا فرق ما جمعه السفاح والمنصور والمهدي والرشيد من الأموال، فقال الناس: إن أيام المتوكل كانت في حسنها ونضارتها ورفاهية العيش فيها ورخص أسعارها وحمد الخاص والعام لها ورضاهم عنها أيام سراء لا ضراء. نعم كان هذا الخليفة منفاقا لا يحسن تدبير خرجه، وله مع هذا عناية خاصة بديوان زمام النفقات، أنفق ما أنفق مما ادخره أجداده في بيوت أمواله، فكان هذا منه تدبيرا مؤقتا غير ناجح، وما استطاع أن يداوي ما تجلى من تسلط الأتراك على الدولة في عامة أقطارها وأعمالها.