تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال عامل مصر لأحد من زاره من وزراء العباسيين في الفسطاط فرأى جسرا يحتسب العمال عنه على السلطان ستين ألف دينار في كل سنة، وهو لا يكلف عشرة دنانير: إن جاريه ثلاثة آلاف في الشهر ولا يمكنه وهو عامل مصر أن يكون بغير كتاب ولا عمال ولا كراع ولا جمال ولا إعطاء ولا إفضال، وله حرم وأولاد وأقارب وأهل يحتاج لهم إلى مئونة، ولا يخلو أن يرد عليه زوار بكتب من الرؤساء فتقضي المروءة أن يبرهم ويصلهم، إلى غير ذلك مما يصانع به، ومنها هدايا سنوية إلى الخليفة وأنجاله والسيدة والقهرمانة وكتابهم وأسبابهم، وبهذا رأينا أن العامل كان مضطرا بحسب مصطلح ذلك الزمان إلى أن يسد العجز في موازنته الخاصة من طرق غير مشروعة، وقل العف الجيد الطعمة، وكلما تقدم الزمن وزادت الخلافة العباسية عتقا بليت الأخلاق في الناس وتبعها تقلقل الإدارة، لفسولة رأي القائمين بالدولة وتشعب أغراضهم.

ولقد كان الخلفاء على الأكثر يتخيرون للولايات والوزارات أكتب الناس وأعلمهم، وللقضاء أقضاهم وأفتاهم، وحظوة الرجل عند قومه قد تكون من بواعث إسناد كبار الأعمال إليه خصوصا الوزارات والولايات والقيادات، وأتى زمن بعد المعتصم والوزير أعجم طمطم لا يفهم ولا يفهم، وأصبح أنصار الدولة والغير عليها يتأففون ممن لا يحسنون العربية، وإن كان منطويا على صفات أخرى صالحة في تدبير الملك؛ وذلك لكثرة من دخل في الأعمال من غير العرب، وكان معظم العمال يحاولون أن يجروا الرعية على المعاملات القديمة، ويحملوهم على الرسوم السليمة، ولكن تطلب أنفس الولاة والعمال إلى العبث بحقوق الناس، ليجنوا من ذلك ما تتلمظ له شفاههم من المغانم، كان الباعث على استشراء الفساد في معظم طبقات المجتمع.

ثم أصبح بعض العظماء

59

ينفرون من الوزارة؛ لأن خاتمة حياتهم التقتيل، ولأن مصير أموالهم وأموال ذويهم كان في الغالب إلى المصادرة والاغتصاب، ولقد عمت المصادرة سائر رجال الحكومة حتى الرعية، وأصبحت بتوالي الأيام المصدر الرئيسي لتحصيل المال؛ فالعامل يصادر الرعية، والوزير يصادر العمال والخليفة يصادر الوزراء، ويصادر الناس على اختلاف طبقاتهم، حتى أنشأوا للمصادرة ديوانا خاصا مثل سائر دواوين الحكومة؛ فكان المال يتداول بالمصادرة كما يتداول بالمتاجرة.

غضب المعتصم على وزيره الفضل بن مروان وأخذ منه عشرة آلاف ألف دينار ثم نفاه، ثروة ضخمة لو فكر الفضل أن يخلع طاعة الخليفة وينشئ بها ملكا له لما أعجزه ذلك، وغضب الواثق على كتاب الدواوين وسجنهم وأخذ منهم ألفي ألف دينار، وفيهم بعض الوزراء ومن كانوا في منزلتهم، وقل أن كان الوزير ينجو من نكبة إذا طالت أيامه، وأيقن الخليفة أنه اغتنى وعبث بأموال الدولة، أو حفزت الحاجة أحد الخلفاء إلى المال فتفقده في خزائنه فلم يجده، ولم يعهد لوزير أن وزر وزارة واحدة بلا صرف لثلاثة خلفاء متسقين إلا محمد بن عبد الملك الزيات، وانتهى أمره بحرقه في التنور ومصادرة أمواله، وكان من العلم والأدب في الذروة العليا، وكان سلفه في وزارة المعتصم أحمد بن عامر الذي وصفه ووصف نفسه بقوله: «خليفة أمي ووزير عامي.»

60

قال الوزير ابن الفرات: تأملت ما صار إلى السلطان من مالي فوجدته عشرة آلاف ألف دينار، وحسبت ما أخذته من الحسين بن عبد الله الجوهري فكان مثل ذلك، فكأنه لم يخسر شيئا؛ لأنهم كانوا يقبضون بالمصادرة ويدفعون بالمصادرة، وإذا صودر أحدهم على مال لم يكن في وسعه أداؤه كله معجلا أجلوه بالباقي وساعدوه على تحصيله وجمعه. وتعددت أسباب المصادرة وجهاتها حتى أصبح كل صاحب مال أو منصب عرضة لها، وكانت وزارة ابن الفرات ثلاث سنين وثمانية أشهر واثني عشر يوما

61 - وولي الوزارة ثلاث مرات - وطولب بأمواله وذخائره فاجتمع منها مع ودائع كانت له سبعة آلاف ألف دينار، فيما حكي عن الصولي، وكان مشاهدا ومشرفا على أخبارهم، قال: وما سمعنا بوزير جلس في الوزارة وهو يملك من العين والورق والضياع والأثاث ما يحيط بعشرة آلاف ألف غير ابن الفرات.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٥٨