وكأنه استفظع القتل الذي يصيب كل عدو للدولة فبسط جناح الرحمة، وقلل من إهلاك النفوس ما أمكن، وأقام نفسه مقام رجل يعرف الطباع البشرية، وينصف خصومه وأعداءه ويحسن إليهم ولا يسيء. كتب صاحب بريد همدان
50
إلى المأمون بخراسان يعلمه أن كاتب البريد المعزول أخبره أن صاحبه وصاحب الخراج كانا تواطآ على إخراج مائتي ألف درهم من بيت المال واقتسماها بينهما، فوقع المأمون: إنا نرى قبول السعاية شرا من السعاية، فإن السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دل على شيء كمن قبله وأجازه، فانف الساعي عنك، فلئن كان في سعايته صادقا لقد كان في صدقه لئيما؛ إذ لم يحفظ الحرمة ولم يستر على أخيه.
وقال المأمون لولده في معنى الوشاة: «يا بني، نزهوا أقداركم وطهروا أحسابكم من دنس الوشاة وتمويه سعايتهم، فكل جان يده في فيه، وليس يشي إليكم إلا أحد الرجلين: ثقة وظنين، أما الثقة فقد قيل: إنه لا يبلغ ولا يسيئن بالوشاية قدره، وأما الظنين فأهل أن يتهم صدقه، ويكذب ظنه، ويرد باطله، وما سعى رجل برجل إلي قط إلا انحط
51
من قدره عندي ما لا يتلافاه أبدا، فلا تعطوا الوشاة أمانيهم فيمن يشون بهم.» ولئن لم يترك المأمون مجالا للوشاة يخربون بيوت الناس، ويزيلون نعمتهم، أو يوردونهم موارد الهلكة، فما كان يخفى عليه خبر من الأخبار الخاصة والعامة في القاصية والدانية، حتى إنه لما ضاق صدره من تشدد بعض العلماء في حوار خلق القرآن، كتب إلى عامله بمعايبهم رجلا رجلا، وقال: إنه أعلم بما في منازلهم منهم، وخبر في هذه الرسالة عن عيب واحد واحد من الفقهاء وأصحاب الحديث وعن حالتهم وأمورهم التي خفيت أو أكثرها عن القريب والبعيد.
ولقد كان من أهم قوانين إدارة المأمون التوسعة على عماله حتى لا يسرقوا الرعية والسلطان ويضيعوا حقوقهم؛ رفع منزلة الفضل بن سهل وعقد له على الشرق طولا وعرضا وجعل عمالته ثلاثة آلاف ألف درهم، وما كان المأمون بالخليفة الذي يتخلى عن خاصة عماله لأدنى سبب، بل يغض الطرف عن مساويهم ويتركهم في بزخ بين الرغبة والرهبة؛ ولذلك استراح واستراح الناس معه، وعلى قدر ما كان يراعي الخاصة يراعي العامة، فقد قال في وصيته للخليفة بعده: ولا تغفل أمر الرعية والعوام؛ فإن الملك بهم وبتعهدك لهم، الله الله فيهم وفي غيرهم من المسلمين، ولا ينتهين إليك أمر فيه صلاح المسلمين ومنفعة إلا قدمته وآثرته على غيره من هواك، وخذ من أقويائهم لضعفائهم، ولا تحمل عليهم في شيء، وأنصف بعضهم من بعض بالحق بينهم، وقربهم وتأن بهم.
وكان المأمون يحرص كل الحرص على الانتفاع برجاله، ويطلق لهم حريتهم في العمل، وممن كان يستمع لمشورتهم أحمد بن أبي داود، وهذا كان أول من افتتح الكلام مع الخلفاء، وكانوا لا يبدؤهم أحد حتى يبدءوه، ولما أسند
52
المأمون وصيته عند الموت إلى أخيه المعتصم قال فيها: وأبو عبد الله أحمد بن أبي داود لا يفارقك الشركة في المشورة في كل أمر؛ فإنه موضع ذلك، ولا تتخذن من بعدي وزيرا. ومن جملة ما أوصى به المأمون أخاه المعتصم في مرضه: خذ بسيرة أخيك في القرآن والإسلام، واعمل في الخلافة إذا طوقكها الله عمل المريد لله، الخائف من عقابه وعذابه، ولا تغتر بالله ومهلته، وكأن قد نزل بك الموت، ومن ذلك عرفنا أن سياسة المأمون ملكه كانت علما وعملا، وهكذا يريد أن يكون عماله، وعظه رجل فأصغى إليه منصتا فلما فرغ قال: قد سمعت موعظتك فاسأل الله أن ينفعنا بها وربما عملنا، غير أنا أحوج إلى المعاونة بالفعال منا إلى المعاونة بالمقال، فقد كثر القائلون وقل الفاعلون.
كان في المأمون شيء من الجاذبية الفطرية يستميل بها القلوب ويجمعها على حبه، ذلك أنه كان يعرف أمزجة أمته فيشغلها في المفيد، ولا لغو ولا لهو في حياته، فكان بإدارته مثال الجد في الخوالف من بني العباس، يفكر في أمر رعيته أكثر من تفكيره في أمور نفسه، كتب إلى عامله على دمشق في التقدم إلى عماله في حسن السيرة وتخفيف المئونة وكف الأذى عن أهل محله، وأن يتقدم إلى عماله في ذلك أشد التقدمة، وأن يكتب إلى عمال الخراج بمثل ذلك، وكتب بهذا إلى جميع عماله في أجناد الشام، واستجلب المأمون لمساحة أرض الشام مساح العراق والأهواز والري، وكان يعدل الخراج إذا شكا منه أهله. كان العلاء بن أيوب لما ولي فارس من قبل المأمون يكتب عهد العمال فيقرؤه من يحضره من أهل ذلك العمل، ويقول: أنتم عيوني عليه فاستوفوه منه، ومن تظلم إلي منه فعلي إنصافه ونفقته جائيا وراجعا، ويأمر العمال أن يقرءوا عهده على أهل عمله في كل جمعة ويقول لهم: هل استوفيتم؟