تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصاب أهل مكة سيل جارف مات تحته خلق كثير، فكتب والي الحرمين إلى المأمون يذكر له الحال، فوجه إليه المأمون بالأموال الكثيرة وكتب إلى الوالي: «أما بعد، فقد وصلت شكيتك لأهل حرم الله إلى أمير المؤمنين، فبكاهم بقلب رحمته، وأنجدهم بسيب نعمته، وهو متبع ما أسلف إليهم، بما يخلفه عليهم، عاجلا وآجلا، إن أذن الله في تثبيت عزمه على صحة نيته.» قالوا: فصار كتابه هذا آنس لأهل مكة من الأموال التي أنفذها. وكان له في كل بلد حوادث من الإحسان قلما يتسامى إليها أحد من الخلفاء، ذكر المؤرخون أن المأمون لما كان في دمشق أضاق إضاقة شديدة، ثم وافاه المال ثلاثون ألف ألف درهم، فقال ليحيى بن أكثم: أخرج بنا لننظر إلى هذا المال، فخرج وخرج الناس، وكان قد زين الحمل وزخرف، فنظر المأمون منه إلى شيء حسن كثير، فاستعظم الناس ذلك واستبشروا به، فقال المأمون: إن انصرافنا إلى منازلنا بهذا المال وانصراف الناس خائبين لؤم، فأمر كتابه أن يوقع لهذا بألف ألف ولذاك بمثلها ولآخر بأكثر منها حتى فرق أربعة وعشرين ألف ألف درهم ورجله في الركاب، ثم حول الباقي على عرض الجيش برسم مصالح الجند.

عقد المأمون لأخيه أبي إسحاق على ثغر المغرب، ولابنه العباس على الشام والجزيرة، ولعبد الله بن طاهر على الجند ومحاربة بابك، وفرق فيهم ما لم يفرق مثله أحد مذ كانت الدنيا: أمر لكل واحد منهم بخمسمائة ألف دينار، وما كان المأمون يضن بمال إذا كان فيه صلاح الدولة والرعية، وخمسمائة ألف دينار يأخذها العامل ينفقها في أتباعه ورجاله ومروءته، وكانت نفقة المأمون كل يوم ستة آلاف دينار يصرف أكثرها على الرعية ولا يناله منها إلا جزء طفيف. كتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون كتابا يستعطفه على الجند ونصه: «كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من أجناده وقواده في الطاعة والانقياد على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم، واختلت أحوالهم.» فقال المأمون: والله لأقضين حق هذا الكلام، وأمر بإعطائهم ثمانية أشهر، وكتب بعض ولاة الأجناد إلى المأمون: إن الجند شغبوا ونهبوا، فكتب إليه: لو عدلت لم يشغبوا، ولو وفيت لم ينهبوا، وعزله عنهم، وأدر عليهم أرزاقهم.

روى الجاحظ قال: حدثنا أحمد بن أبي داود قال: قال لي المأمون: لا يستطيع الناس أن ينصفوا الملوك من وزرائهم، ولا يستطيعون أن ينظروا بالعدل بين ملوكهم وحماتهم وكفاتهم وبين صنائعهم وبطانتهم، وذلك أنهم يرون ظاهر حرمهم وخدمهم واجتهادهم ونصحهم، ويرون إيقاع الملوك بهم ظاهرا حتى لا يزال الرجل يقول ما أوقع به إلا رغبة في ماله أو رغبة في بعض ما لا تجود النفس به، ولعل الحسد والملالة وشهوة الاستبدال اشتركت في ذلك، فلا يستطيع الملك أن يكشف للعامة موضع العورة في الملك، ولا أن يحتج لتلك العقوبة بما يستحق ذلك المريب، ولا يستطيع ترك عقابه لما في ذلك من الفساد على عمله بأن عذره غير مبسوط للعامة ولا معروف عند أكثر الخاصة.

ويتعذر تعداد أفضال المأمون على الأفراد، وحرصه على اختيار رجاله وعنايته بآرائهم وتجاربهم، وغرامه بالعفو والإحسان. قال أحمد بن أبي خالد وزير المأمون لثمامة بن أشرس: كل واحد في هذه الدار، أي في دار الخليفة، له معنى غيرك، فإنه لا معنى لك في دار أمير المؤمنين، فقال له المأمون: إن له معنى في الدار، والحاجة إليه بينة، قال: وما الذي يصلح له؟ قال: أشاوره في مثلك هل تصلح لمن معك أو لا تصلح؟ وثمامة هو من الجماعة الذين كانوا يغشون دار الخلافة

53

وهي دار العامة، ومنهم محمد بن الجهم والقاسم بن سيار، وكان هؤلاء الرجال أشبه بالمستشارين بل أشبه بدعاة الدولة، وعنوان الخلافة، هذا إلى ما هناك من شعراء وأدباء وعلماء وفقهاء يختلفون في الأحايين إلى الخليفة فيشاركهم في حديثهم، وينافسهم في صناعتهم، ويفضل عليهم من هباته، فيخرجون وألسنتهم تنطق بحمده، وتدعو بدوام ملكه، ويذكرون للعامة والخاصة ما هو عليه من بعد النظر في سياسة الملك. قال الجاحظ: كان إبراهيم بن السندي مولى أمير المؤمنين عالما بالدولة شديد الحب لأبناء الدعوة، وكان يحوط مواليه ويحفظ أيامهم، ويدعو الناس إلى طاعتهم ويدرسهم مناقبهم، وكان فخم المعاني فخم الألفاظ، لو قلت لسانه كان أرد على هذا الملك من عشرة آلاف سيف شهير وسنان طرير لكان ذلك قولا ومذهبا.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٥٦