هكذا كان عدل العمال وشرف أنفسهم، وهكذا كان علمهم وبعد نظرهم في عصر المأمون، فلا يستغرب بعد ذلك ما ذكر من قصة
48
تلك المرأة القبطية التي نادت المأمون لما مر بقريتها طاء النمل
49
من أرض مصر وسألته أن يقبل قراها، ليجعل لها الشرف ولعقبها بذلك، وأن لا يشمت بها الأعداء، وبكت بكاء كثيرا، فنزل عليها بجيشه ورجاله وكانت ضيافتها من فاخر الطعام ولذيذه، وفي الصباح بعثت إلى المأمون بعشر وصائف مع كل وصيفة طبق، في كل طبق كيس من ذهب، فاستحسن ذلك وأمرها بإعادته، فقالت: لا والله لا أفعل، فتأمل الذهب فإذا به ضرب عام واحد كله، فقال: هذا والله أعجب، وربما عجز بيت مالنا عن مثل ذلك! فقالت: يا أمير المؤمنين لا تكسر قلوبنا ولا تحتقر بنا، فقال: إن في بعض ما صنعت لكفاية ولا نحب التثقيل عليك، فردي مالك بارك الله فيك؛ فأخذت قطعة من الأرض وقالت: يا أمير المؤمنين، هذا - وأشارت إلى الذهب - من هذا - وأشارت إلى الطينة التي تناولتها من الأرض - ثم من عدلك يا أمير المؤمنين، وعندي من هذا شيء كثير، فأمر به فأخذ منها، وأقطعها عدة ضياع، وأعفاها من بعض خراج أرضها.
وفي الحق إنه لم يعرف عصر كعصر المأمون وعصر أبيه وأخيه الأمين في استفاضة الأموال في كل طبقة من طبقات الأمة، فقد أنفق الحسن بن سهل على عرس ابنته بوران على المأمون أربعة آلاف ألف دينار، وماتت الخيزران أم الهادي والرشيد (173) وكانت غلتها ألف ألف وستين ألف ألف درهم، ومات محمد بن سليمان وقبض الرشيد أمواله بالبصرة وغيرها، فكان مبلغها نيفا وخمسين ألف ألف درهم سوى الضياع والدور والمستغلات، وكان محمد بن سليمان يغل كل يوم مائة ألف درهم، وأنفق جعفر بن يحيى على داره التي ابتناها في دار السلام نحوا من عشرين ألف ألف درهم، وغنى إبراهيم بن المهدي محمدا صوتا فأعطاه ثلاثمائة ألف درهم، فقال إبراهيم: يا سيدي قد أمرت لي إلى هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم فقال: وهل هي إلا خراج بعض الكور!
ووقع للمأمون غير مرة أنه كان يخف إلى الأقطار التي تنشب فيها فتنة جديدة لا يعتمد على رجاله، على كثرة الصالحين منهم للعمل، ولما انتقضت أسفل الأرض كلها بمصر، عربها وقبطها، وأخرجوا العمال وخالفوا الطاعة، وكان ذلك لسوء سيرة العمال فيهم، هبط المأمون مصر لعشر خلون من المحرم سنة سبع عشرة ومائتين، وسخط على عامله عيسى بن منصور، وأمر بحل لوائه وأمر بلباس البياض وقال: لم يكن هذا الحدث العظيم إلا عن فعلك وفعل عمالك، حملتم الناس ما لا يطيقون وكتمتموني الخبر حتى تفاقم الأمر واضطرب البلد، وقال: ما فتق علي قط فتق في مملكتي إلا وجدت سببه جور العمال. وقال لمن رفع إليه خبرا في عامل: إني امرؤ أداري عمالي مداراة الخائف، وبالله ما أجد إلى أن أحملهم على المحجة البيضاء سبيلا، فاعمل على حسب ذلك ولن لهم تسلم منهم.
وخص المأمون بالإغضاء عن المساوئ، والتغابي عن التفاهات، وحمل الناس على محمل الخير، وجهد أن يسوق إليهم كل خير، وهذا مع كثرة عنايته بالأخذ بأخبار عماله ورعيته، قيل: إنه كان للمأمون ألف عجوز وسبعمائة يتفقد بها أحوال الناس ومن يحبه ويبغضه ومن يفسد حرم المسلمين، وكان لا يجلس إلى دار الخلافة حتى تأتيه كلها، وكان يدور ليلا ونهارا مستترا، ومع كل هذا كان المأمون أبدا إلى جانب المسامحة والعفو، وتتجافى نفسه العظيمة عن كل ما تشتم منه رائحة الطمع والإسفاف إلى أموال العمال، وكادت المصادرات والنكبات تبطل في أيامه، ولا ينكب إلا من حاول نقض بنيان الدولة، ولقد رفع إليه أن عمرو بن مسعدة أحد وزراء دولته، خلف ثمانين ألف ألف درهم، أو نحو ثمانية ملايين دينار، فوقع على الرقعة: «هذا قليل لمن اتصل بنا وطالت خدمته لنا، فبارك الله لولده فيه.»