تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل

فأقبل صنف تاسع منها فأخذها كلها، تلكم الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله. ا.ه. والله أعلم بمقدار ما في هذا الخطاب - على جلالة قدر صاحبه - من الخطأ والخطل، ولكن غضب العربي في رأسه فإذا غضب لم يهدأ حتى يخرجه بلسانه أو يده كما قالوا.

لا جرم أن إدارة الأمويين لم تكن في كل أيام خلفائهم بريئة من العيوب، ولم تضعف في الحقيقة إلا في أيام يزيد بن الوليد، وكان على غير طريقة أسلافه في أعماله، وكان آخرهم مروان بن محمد، على عظم همته وشدة بأسه مشغولا بالدفع عن الخلافة وكثرت الفتوق فضعفت إدارة المملكة، كانت حكومتهم عربية صرفة يتولاها أهل البيوتات والأشراف على الأكثر.

| إدارة العباسيين

تدابير السفاح والمنصور

داول أبو العباس السفاح بين الكوفة والأنبار والحيرة والهاشمية من المدن، فكان يتنقل فيها، ولم يجعل له عاصمة مستقرة، واتخذ له وزيرا أبا سلمة الخلال حفص بن سليمان، وسلمه الدواوين، وكان يسمى وزير آل محمد، وأصبحت الوزارة في الدولة العباسية مقررة القواعد والقوانين، وما كانت تعهد في الدولة الأموية، كان من يستشيرهم الأمويون يسمون كتابا ومشيرين على الأغلب، ويسمى وزيرا من باب التجوز لا على مثال بني العباس. استوزر السفاح خالد بن برمك بعد أن قتل أبا سلمة الخلال، فجعل خالد له دفاتر في الدواوين من الجلود وكتب فيها وترك الدروج، وكانت كتابة الدواوين في صدر الإسلام أن يجعل ما يكتب فيه صفحا مدرجة، دام ذلك مدة بني أمية، ولما تصرف جعفر بن يحيى ابن خالد بن برمك في الأمور أيام الرشيد اتخذ الكاغد وتداوله الناس من بعد.

1

لم يتفرغ السفاح لوضع أساس ثابت للإدارة لانصرافه جملة واحدة إلى توطيد دعائم الفتح وقتال الخوارج عليه، وسار في الجملة على نظام الأمويين، وكان أخوه أبو جعفر يتولى لأخيه كل أمر عظيم، وكانت العراق على حظ وافر من ترتيب دواوينها وانتظام شئون إدارته على العهد الأموي، بفضل من وليها من أكبر رجال الإدارة والسياسة من بني أمية. وكذلك الحال في معظم الأقطار، تبدلت دولة بدولة وخليفة بخليفة، ونسج الآخر على منوال الأول اضطرارا واختيارا، وقل أن خالفه في ترتيبه ونظمه. خطب السفاح قائما، وكانت بنو أمية تخطب قعودا، فضج الناس وقالوا: أحييت السنة يا ابن عم رسول الله.

كان السفاح جميل العشرة جوادا بالمال يحب مسامرة الرجال، وكان كثيرا ما يقول: العجب ممن يترك أن يزداد علما ويختار أن يزداد جهلا، فقال له أبو بكر الهذلي: ما تأويل هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟ قال: يترك مجالسة مثلك ومثل أصحابك ويدخل إلى امرأة وجارية، فلا يزال يسمع سخفا ويرى نقصا، فقال له الهذلي: لذلك فضلكم الله على العالمين، وجعل منكم خاتم النبيين.

ومن أثمن ما وصل إلى أبي العباس من ميراث بني أمية بردة الرسول وقضيبه، وكان مروان

2

بن محمد حين أحيط به في مصر دفعهما إلى خادم له وأمره أن يدفنهما في بعض تلك الرمال، فلما أخذ الخادم في الأسرى قال: إن قتلتموني ضاع ميراث النبي، فأمنوه على أن يسلم لهم ذلك، وكان للبردة والقضيب شأن، وأي شأن، عند جميع الخلفاء من بعده.

ولي المنصور الخلافة وكان أسن من أخيه أبي العباس السفاح، ودبر المملكة في أيامه تدبيرا حسنا، أفضى إليه الملك وهو حنيك

3

كما قال عن نفسه، قد حلب هذا الدهر أشطره،

4

وزاحم المشاة في الأسواق، وشاهدهم في المواسم، وغازاهم في المغازي، قال: فوالله ما أحب أن أزداد بهم خبرا، على أني أحب أن أعلم ما أحدثوا بعدي، مذ تواريت عنهم بهذه الجدارات، وتشاغلت عنهم بأمورهم، مع أني والله ما لمت نفسي أن أكون قد أذكيت عليهم العيون حتى أتتني أخبارهم وهم في منازلهم، وأبو جعفر المنصور في تأسيسه دولة بني العباس كمعاوية في تأسيس دولة بني أمية، مع اعتبار الفرق بين عصريهما، والسر الأعظم في نجاحهما أنهما مرنا على الإدرة قبل أن تسند الخلافة إليهما.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٣٨