ولى المنصور أهله البلدان، وفرق العمالات بين قواد من العرب وقواد من مواليه، فكان ينقل قواد العرب في أعماله لثقته بهم واعتماده عليهم، ثم استعمل مواليه وغلمانه في أعماله، وصرفهم في مهماته، وقدمهم على العرب، فامتثلت ذلك الخلفاء من بعده من ولده، فسقطت قيادات العرب، وزالت رياستها وذهبت مراتبها، فهو الذي «أصل
5
الدولة، وضبط المملكة، ورتب القواعد، وأقام الناموس، واخترع أشياء، ولم تكن الوزارة في أيامه طائلة لاستبداده واستغنائه برأيه وكفايته، على أنه كان يشاور في الأمور دائما، وإنما كانت هيبته تصغر لها هيبة الوزراء.»
اجتمع للمنصور كثير من الخيل لم يعرف مثله في جاهلية ولا إسلام، واستجاد الكساء والفرش وعدد الحرب ومؤنها، واصطنع الرجال وقوى الثغور، ولقب بأبي الدوانيق لتشدده في محاسبة العمال والكتاب، وجمع سياسته المالية أن يدخر المال قائلا: «من قل ماله قل رجاله، ومن قال رجاله قوي عليه عدوه، ومن قوي عليه عدوه اتضع ملكه، ومن اتضع ملكه استبيح حماه.» وذكر أنه أخذ أموال الناس حتى ما ترك عند أحد فضلا،
6
وكان يعطي الجزيل والخطير
7
إذا رأى في العطاء فائدة، ويمنع اليسير والخطير إذا كان عطاؤه تضييعا، فكان كما قال زياد: لو أن عندي ألف بعير وعندي بعير أجرب لقمت عليه قيام من لا يملك غيره، ومن أجل هذا كان يثمر ماله وينظر فيما لا ينظر فيه العوام، ووافق صاحب مطبخه على أن له الرءوس والأكارع والجلود وعليه الحطب والتوابل.
وعد محمد بن عبد الله لما خرج عليه إذا رجع إلى طاعته من قبل أن يقدر عليه أن يعطيه ألف ألف درهم، ويؤمنه على نفسه وولده وإخوته، ومن بايعه وتابعه وشايعه، ويطلق من في سجنه من أهل بيته وأنصاره، آثر أن يحقن الدماء ويعطي هذا العطاء على أن يبعث البعوث وينفق الأموال، وأنفق ثلاثة وستين ألف ألف درهم على جيش واحد كان مؤلفا من خمسين ألفا وجهه إلى إفريقية لقتال الخوارج، بمعنى أن أبا جعفر كان الحزم كله في تدبير ملكه، والحزم كله في جمع المال للشدائد، والإنفاق منه عند الحاجة لقيام الدولة، ويذكرون له في باب الإمساك أخبارا كثيرة.
يقول المسعودي: إن المنصور
8
كان في الحزم وصواب التدبير وحسن السياسة على ما تجاوز كل وصف، وهو أول من رتب المراتب من الخلفاء
9
وكان لبني أمية بيوت بلا منعة ولا إذن، وإنما كان الناس يقفون على أبوابهم حتى يؤذن لهم أو يصرفوا، فلما ولي بنو العباس وبنى المنصور بيته اتخذ في قصره بيوتا للإذن، فجرى الأمر على ذلك، وكانت أرزاق الكتاب في أيامه ثلاثمائة ثلاثمائة، وكذلك كانت في أيام بني أمية، وكان المنصور متقللا متقشفا لا يحب البذخ والرفاهية يعد كل ما يأكل ويلبس نعمة عظمى بالقياس إلى حاله قبل الخلافة، فهو شديد في قتال أعدائه، شديد في نظامه وترتيبه، يعرف قيمة الوقت فلا يصرفه إلا فيما ينفع الدولة ويعمل في خدمتها ليله ونهاره، وكان شغله
10
في صدر نهاره بالأمر والنهي والولايات والعزل وشحن الثغور والأطراف وأمن السبل والنظر في الخراج والنفقات، ومصلحة معاش الرعية والتلطف بسكونهم، فإذا صلى العصر جلس لأهل بيته، فإذا صلى العشاء الآخرة جلس ينظر فيما ورد من كتب الثغور والأطراف والآفاق وشاور سماره، وهو على انتباه لكل دقيق وجليل، وكان يقول: ما أحوجني أن يكون على بابي أربعة نفر لا يكون على بابي أعف منهم، هم أركان الدولة ولا يصلح الملك إلا بهم: أما أحدهم فقاض لا تأخذه في الله لومة لائم، والآخر صاحب الشرطة ينصف الضعيف من القوي، والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية، ثم عض على إصبعه السبابة ثلاث مرات يقول في كل مرة: آه آه، قيل: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: صاحب بريد يكتب خبر هؤلاء على الصحة.
استعمل المنصور في ولاياته وأعماله قليلا من عمال الدولة البائدة، وكثيرا من أهل بيته ورجالات العرب وبعض الفرس، استوزر ابن عطية الباهلي وهو من صميم العرب كما وزر له أبو أيوب المورياني الخوزي وهو فارسي، وما كان يترك الوزير يعمل برأيه فقط، بل ينهي إليه كل ما يعرض له من أمور الدولة قبل البت فيها. وطريقته في حكم الأمصار طريقة «اللامركزية»، أي طريقة الأمويين والراشدين من قبل، دعاه إلى اتخاذها تباعد ما بين أجزاء المملكة، وبعد الشقة في نقل الأخبار، على ما كان في عهده من انتظام البريد وحمام الزاجل يطير في المهمات السريعة. كتب المنصور إلى مسلم بن قتيبة يأمره بهدم دور من خرج مع أحد الخوارج وعقر نخلهم، فكتب إليه: بأي ذلك نبدأ؟ أبالنخل أم بالدور؟ فكتب إليه أبو جعفر: «أما بعد، فإني لو أمرتك بإفساد ثمرهم لكتبت إلي تستأذن في أيه نبدأ أبالبرنى أم بالشهريز؟»