تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

116

لا يدخل بيت ماله مال حتى يشهد أربعون قسامة

117

أنه أخذ من حقه، وأعطي لكل ذي حق حقه، وهو من أحزم بني أمية ومن أعقلهم يفضل على العلماء والفقهاء كثيرا.

وتولى يزيد بن الوليد الخلافة فنقص الناس من عطائهم، وكان أشد ضنانة بالمال من هشام، فسمي يزيد الناقص، فاضطربت عليه البلدان، وكان الخليفة من بني أمية إذا مات وقام آخر زاد في أرزاقهم وعطاياهم عشرة دراهم فيقولون: (عير بعير

118

وزيادة عشرة)، أي رجل برجل وزيادة عشرة، فسار هذا القول مسير الأمثال عند أهل الشام، وكان يزيد يهتم باللهو واللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمة الفساق، وأفسد على نفسه بني عميه: ولد هشام وولد الوليد ابني عبد الملك بن مروان، وأفسد على نفسه اليمانية وهم أعظم جند الشام، ولعل هذه الغلطات الإدارية جسمت ما اتهم به، فكانت حجة للخواص عند العوام حتى أوردوه موارد الهلكة. وقال خالد بن يزيد: يا أمير المؤمنين، قتلت ابن عمك لإقامة كتاب الله تعالى وعمالك يغشمون ويظلمون. قال: لا أجد أعوانا غيرهم وإني لأبغضهم. قال: يا أمير المؤمنين، ول أهل البيوتات، وضم إلى كل عامل رجلا من أهل الخير والعفة، يأخذونهم بما في عهدك. قال: أفعل.

وأمر الوليد بن يزيد بعض رجاله بتعذيب بعض العمال؛ لأنه كان رفع إليه أنهم أخذوا مالا كثيرا.

119

ولما قتل الوليد (126) كان في يت المال سبعة وسبعون ألف ألف دينار ففرقها يزيد عن آخرها، وتعهد للناس أن لا يضع حجرا فوق حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا يكري نهرا ولا يكنز مالا، ولا ينقل مالا من بلد إلى بلد، حتى يسد ثغره وخصاصة أهله بما يغنيهم، فما فضل منه نقله إلى البلد الآخر الذي يليه، ولا يغلق بابه دونهم، ولهم أعطياتهم في كل سنة وأرزاقهم كل شهر، حتى يكون أقصاهم كأدناهم. أما مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية فقد كان شيخ بني أمية وكبيرهم

120 «ذا أدب كامل ورأي فاضل» وهو آحزم بني مروان وأنجدهم

121

وأبلغهم، ولكنه ولي الخلافة والأمر مدبر عنهم.

هذا ما كان من إدارة دولة امتد حكمها مسافة

122

مائتي يوم من المشرق إلى المغرب، تقرأ آي القرآن في سمرقند كما تتلى في قرطبة، ويتلاقى الهندي مع السوداني في مكة للحج، وكلاهما يدين لبني أمية. وفي أيامهم ظهرت على الممالك قدرة وغنى، وكانت كلمة الدولة نافذة في ثلاثة أقسام من الأرض: آسيا وإفريقية وأوروبا، ملكوا من براري جبل الطور إلى قفار ما وراء النهر، ومن وادي كشمير إلى منحدر جبل طوروس على البحر المتوسط وأطراف الأناضول، وسائر مملكة الأكاسرة وما عجز عنه الأكاسرة، وأخذت الجزية التي قدرها عمر بن الخطاب من النوبة كما أخذت من الهند والصين على ما قدرها مسلم بن قتيبة الباهلي، وكل ذلك على قواعد العدل وقسطاس الحق، حتى صارت دمشق في نظر المسلمين كأنما هي رومية في نظر النصارى، وانتشرت حضارة الإسلام

123

في نصف قرن تقريبا من سواحل البحر الأطلنطي إلى بلاد الصين، ومن جبال القوقاز وما وراءها إلى خط الاستواء وما وراءه، ودخلت في حوزة الإسلام أمم كثيرة من السلالة السامية (العرب والسريان والكلدان)، ومن السلالة الحامية (المصريون والنوبيون والبربر والسودان)، ومن السلالة الآرية (الفرس واليونان والإسبان والأهاند، أي الهنود)، ومن السلالة المسماة بالتورانية (الترك والتتار).

كل هذا، وما كان جميع الناس راضين عن إدارة الأمويين ولا سيما خصومهم السياسيون، ومتى كان الخصم ينصف خصمه؟ وإليكم مثالا من ذلك صدر عن أحد نساك الأباضية وخطبائهم وهو أبو حمزة يحيى بن مختار الخارجي، خطب في مكة ووصف سيرة الخلفاء الراشدين ثم قال في بني أمية: وأما بنو أمية ففرقة ضلالة، وبطشهم بطش جبرية، يأخذون بالظنة، ويقضون بالهوى، ويقتلون على الغضب، ويحكمون بالشفاعة، ويأخذون بالفريضة من غير موضعها، ويضعونها في غير أهلها، وقد بين الله أهلها فجعلهم ثمانية أصناف، فقال:

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٣٧