وكلما لمح عتبة شرارة الفتنة خطب القوم بما يطفئها من معين بلاغته، احتبست كتب معاوية حتى أرجف أهل مصر بموته، ثم ورد كتابه بسلامته، فصعد عتبة المنبر والكتاب بيده وقال: يا أهل مصر، قد طالت معاتبتنا إياكم بأطراف الرماح وظبات
21
السيوف حتى صرنا شجى في لهواتكم
22
ما تسيغنا حلوقكم، وأقذاء
23
في أعينكم ما تطرف عليها جفونكم، فحين اشتدت عرا الحق عليكم عقدا، واسترخت عقد الباطل منكم حلا، أرجفتم بالخليفة، وأردتم توهين السلطان، وخضتم الحق إلى الباطل، وأقدم عهدكم به حديث، فاربحوا أنفسكم إذا خسرتم دينكم، فهذا كتاب أمير المؤمنين بالخبر السار عنه، والعهد القريب منه، واعلموا أن سلطاننا على أبدانكم دون قلوبكم، فأصلحوا لنا ما ظهر نكلكم إلى الله فيما بطن، وأظهروا خيرا وإن أسررتم شرا، فإنكم حاصدون ما أنتم زارعون، وعلى الله نتوكل وبه نستعين. ا.ه.
وخطب عتبة في الموسم في سنة إحدى وأربعين، وعهد الناس حديث بالفتنة، فاستفتح ثم قال: «أيها الناس، إنا قد ولينا هذا الموضع الذي يضاعف الله فيه للمحسن الأجر، وعلى المسيء الوزر، فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا؛ فإنها تنقطع دوننا، ورب متمن حتفه في أمنيته، اقبلوا العافية ما قبلناها منكم وفيكم.» وقد عرفنا بهذه النموذجات من الخطب السياسية كيف أخذ بنو أمية يصفون البلاد من كدر الفتنة، وبعتبة وبأمثاله أدخلوا الناس في الطاعة، وكانوا ركبوا رءوسهم
24
في الغوائل وأوغلوا، وبعتبة وبأمثاله من العمال الذين كانوا يعملون للجماعة بعقولهم وقلوبهم، دفعوا الناس إلى الانقطاع إلى أعمالهم، واضطروهم إلى أن يتركوا الخوض في سياسة الملك إلى من يحسن القيام عليها.
ومن نظر في سيرة أولئك العمال يأخذه العجب من عفتهم عن الأموال، وتبلغهم بالقليل، وإنفاقهم بلا حساب، لتأليف الشارد واستمالة الخصم المعاند، ولي عمرو بن العاص الذي ولي مصر مرتين، وجعلها له معاوية في المرة الثانية طعمة بعد الإنفاق على مرافقها، فلم تعد عليه هذه الطعمة بثروة تذكر، وما اشتد عمرو على أهل مصر اشتداد عتبة؛ لأن هذا كان في سن الكهولة وعمرو في سن الشيخوخة، والشيوخ في الإدارة أقرب إلى الحنكة
25
والروية من الشباب على الأغلب، أما سائر عمال الدولة فكانوا بحسب الحال: على طريقة عتبة الناطقة أو على طريقة عمرو الصامتة.
رمى معاوية العراق بزياد بن أبي سفيان فخطب أهلها قائلا: حرام علي الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا؛ إياي ودلج
26
الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وإياي ودعوى الجاهلية، فإني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثا، وأحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرق قوما أغرقته، ومن أحرق قوما أحرقته، ومن نقب بيتا نقبت عن قلبه، ومن نبش قبرا دفنته فيه حيا، فكفوا أيديكم وألسنتكم أكف عنكم، وقد كان بيني وبين أقوام أشياء قد جعلتها دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان محسنا فليزدد، ومن كان مسيئا فلينزع، إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعا، ولم أهتك له سترا، حتى يبدي لي صفحته،
27
فإذا فعل ذلك لم أناظره، فأعينوا على أنفسكم وأتنفوا
28
أمركم. ومعنى هذا أن زيادا أعلن في العراق الإدارة العرفية العسكرية، وصرح بأنه يتناسى ما سبق للقوم من الخطيئات للدولة ولنفسه، إذا أحسنوا السيرة، وأنه ينوي افتتاح عهد جديد يغاث فيه الناس ويستريح السلطان.
ومع هذه الشدة البادية في كلام
29
زياد كان يبعث إلى الجماعة منهم فيقول: ما أحسب الذي يمنعكم من إتياني إلا الرجلة
30
فيقولون: أجل، فيحملهم ويقول: أغشوني الآن واسمروا عندي، يحاول تألفهم والوقوف على آرائهم من طرف خفي، والبعد جفاء، والعامل مضطر إلى أن يعلم البواطن والظواهر، ولا ميدان لالتقاط الفوائد إلا في المجالس الخاصة. قال عمر بن عبد العزيز: «قاتل الله زيادا جمع لهم كما تجمع الذرة، وحاطهم كما تحوط الأم البرة، وأصلح العراق بأهل العراق، وترك أهل الشام في شامهم، وجبى العراق مائة ألف ألف وثمانية عشر ألف ألف.»