كان زياد إذا ولى رجلا قال له: خذ عهدك وسر إلى عملك، واعلم أنك مصروف رأس سنتك، وأنك تصير إلى أربع خلال فاختر لنفسك: إذا وجدناك أمينا ضعيفا استبدلنا بقوتك لضعفك، وسلمتك من موتنا أمانتك، وإن وجدناك خائنا قويا استهنا بقوتك، وأحسنا على خيانتك أدبك فأوجعنا ظهرك، وأثقلنا غرمك، وإن جمعت علينا الجرمين، جعلنا عليك المضرتين، وإن وجدناك أمينا قويا زدناك في عملك ورفعنا لك ذكرك، وأكثرنا مالك، وأوطأنا
31
عقبك. هذا مثال من أعمال عمال معاوية وما يريدون أن يكون عليه من يتصرفون للسلطان ليستقيم أمر البلاد.
وكان زياد يقول: استوصوا بثلاثة منكم خيرا: الشريف والعالم والشيخ، فوالله لا يأتيني شيخ بشاب قد استخف به إلا أوجعته، ولا عالم بجاهل استخف به إلا نكلت به، ولا يأتيني شريف بوضيع استخف به إلا انتقمت له منه. قال زياد لحاجبه: كيف تأذن للناس؟ قال: على البيوتات، ثم على الأنساب، ثم على الآداب، قال: فمن تؤخر؟ قال: من لا يعبأ الله بهم، قال: ومن هم؟ قال: الذين يلبسون كسوة الشتاء في الصيف، وكسوة الصيف في الشتاء. وقال لحاجبه: وليتك حجابتي وعزلتك عن أربع: هذا المنادي إلى الله في الصلاح والفلاح لا توقفه عني، ولا سلطان لك عليه، وطارق الليل لا تحجبه، فشر ما جاء به، ولو كان خيرا ما جاء في تلك الساعة، ورسول صاحب الثغر، فإن أبطأ ساعة فسد عمل سنة، وصاحب الطعام فإن الطعام إذا أعيد تسخينه فسد. قال العتبي: كان في مجلس زياد مكتوب: «الشدة في غير عنف، واللين في غير ضعف، المحسن يجازى بإحسانه، والمسيء يعاقب بإساءته، الأعطيات في أيامها، لا احتجاب من طارق ولا صاحب ثغر.» وكان زياد يؤثر الأعمال على الأقوال لعلمه بأنها تنادي على نفسها، فقد بنى بالبصرة أحياء ودورا ومساجد وحفر أنهارا وترعا وكل ما بنى فيها أو صنع فإنه نسب إلى غيره.
32
ولم يزل زياد بالمداراة من يوم كان أميرا على فارس، وهي تضرم نارا
33
حتى عادوا إلى ما كانوا عليه من الطاعة والاستقامة، لم يقف موقفا للحرب، وكان أهل فارس يقولون: ما رأينا سيرة أشبه بسيرة كسرى أنوشروان من سيرة هذا بيني وبين اللين والمداراة والعلم بما يأتي. ولما قدم فارس بعث إلى رؤسائها فوعد من نصره ومناه، وخوف قوما وتوعدهم، وضرب بعضهم ببعض، ودل بعضهم على عورة بعض، وهربت طائفة وأقامت طائفة، فقتل بعضهم بعضا، وصفت له فارس فلم يلق فيها جمعا ولا حربا، وفعل ذلك بكرمان، هذا مع أن جماعة مقاتلة البصرة كانوا أيام زياد ثمانين ألفا، وعيالهم مائة ألف وعشرين ألف عيل، ومقاتلة الكوفة ستين ألفا وعيالهم ثمانين ألفا، وكان له في البصرة ديوان اسمه ديوان جند العرب.
وقدم زياد العراق وهي جمرة تشتعل
34
فسل أحقادهم، وداوى أدواءهم، وابنه عبد الله تولى العراق بعده، وهو أول من عرف العرفاء، ودعا الفقراء، ونكب
35
المناكب، وحصل الدواوين، ومشى بين يديه بالعمد ووضع الكراسي، وعمل المقصورة ولبس الزيادي، وربع الأرباع بالكوفة، وخمس الأخماس بالبصرة، وأعطى في يوم واحد للمقاتلة والذرية من أهل البصرة والكوفة، وضبط زياد وابنه عبد الله العراق بأهل العراق، هكذا كانت أعمال العمال تسير على أجمل مثال.
كتب معاوية إلى سليم بن عتر قاضي مصر يأمره بالنظر في الجراح والحكم فيها، وكان الرجل إذا أصيب فجرح بذلك الجرح فقصته على عاقلة
36
الجارح، ويرفعها إلى صاحب الديوان، فإذا حضر العطاء اقتضى من أعطيات عشيرة الجارح ما وجب للمجروح وينجم
37
ذلك في ثلاث سنين، والقاضي سليم هذا أول من سجل في مصر سجلا بقضائه، وذلك أنه اختصم إليه في ميراث فقضى بين الورثة ثم تناكروا فعادوا إليه، فقضى بينهم وكتب كتابا بقضائه، وأشهد فيه شيوخ الجند ثم سجله، وكان من سياسة معاوية أن يحمي عماله الصادقين، وما كان يقيد من عماله ويدي