تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أوعز زياد إلى والي خراسان أن يصطفي لمعاوية الصفراء والبيضاء فلا يقسم في الناس ذهبا ولا فضة عملا بكتاب ورد عليه من الخليفة، فكتب والي خراسان إلى زياد: بلغني ما ذكرت من كتاب أمير المؤمنين، وإني وجدت كتاب الله تعالى قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنه والله لو أن السماء والأرض كانتا رتقا

12

على عبد ثم اتقى الله جعل له مخرجا والسلام. وقسم الفيء بين الناس من الذهب والفضة، ولم ينفذ ما أمر به الخليفة من أمر يجحف بأرباب الاستحقاق في العطاء من الجند والعمال؛ ذلك لأنه رأى في ولايته ما لم يره الخليفة ولا عامله الأكبر زياد، وكتب معاوية إلى عامله على مصر أن زد على كل رجل من القبط قيراطا، فكتب إليه كيف أزيد عليهم وفي عهدهم أن لا يزاد عليهم؟ وهذا مما يشعر بما كان للعامل الأمين في عهد معاوية من الحرية فيما يرتئيه لإصلاح عمله. والإدارة في قطر قد لا تصلح لقطر آخر، والحاضر يرى ما لا يراه الغائب.

قال زياد: ما غلبني أمير المؤمنين إلا في واحدة، طلبت رجلا فلجأ إليه وتحرم

13

به فكتبت إليه: إن هذا فساد لعملي إذا طلبت رجلا لجأ إليك وتحرم بك، فكتب إليه معاوية: إنه لا ينبغي أن نسوس الناس بسياسة واحدة فيكون مقامنا مقام رجل واحد، ولكن تكون أنت للشدة والغلظة، وأكون أنا للرأفة والرحمة، فيستريح الناس بيننا. وقديما قالوا: الدهاة أربعة، معاوية للروية، وعمرو بن العاص للبديهة، والمغيرة بن شعبة للمعضلات، وزياد لكل كبيرة وصغيرة. وقال بعضهم: دهاة العرب وذوو الرأي والمكيدة، معاوية وعمرو والمغيرة وقيس بن سعد وعبد الله بن بديل بن ورقاء، وأربعة ممن ذكر دبروا ملك بني أمية، والآخران كانا من جماعة علي.

علمنا أن معاوية ما كان يستخدم الحسام، إذا أجزأه

14

الكلام، رمى أهل مصر بعمرو بن العاص؛ لأنهم اشتركوا في مقتل عثمان، ولما هلك ولى مصر أخاه عتبة بن أبي سفيان،

15

وكان والي عمر على الطائف وصدقاتها وهو من بلغاء الخطباء، قيل: لم يكن في بني أمية أخطب منه، فاشتد على أهل مصر وطأمن من جماحهم، وأدخل الرهبة على قلوبهم، ومن جملة ما خطبهم، وفيه نموذج من خطته وخطة أخيه، قوله: يا أهل مصر، خف على ألسنتكم مدح الحق ولا تفعلونه، وذم الباطل وأنتم تأتونه، كالحمار يحمل أسفارا أثقله حملها، ولم ينفعه علمها، وإني والله لا أداوي أدواءكم بالسيف، ولا أبلغ السيف ما كفاني السوط، ولا أبلغ السوط ما كفتني الدرة، ولا أبطئ عن الأولى، إن لم تصلحوا عن الأخرى، ناجزا

16

بناجز، ومن حذر كمن بشر، فدعوا قال ويقول، من قبل أن يقال فعل ويفعل، فإن هذا اليوم الذي ليس فيه عقاب، ولا بعده عتاب. وخطب الناس بمصر عن موجدة

17

فقال: يا حاملي ألأم آنف

18

ركبت بين أعين، إني إنما قلمت أظفاري

19

عنكم ليلين مسي لكم، وسألتكم صلاحكم إذا كان فسادكم باقيا عليكم، فأما إذ أبيتم إلا الطعن على السلطان، والتنقص للسلف، فوالله لأقطعن بطون السياط على ظهوركم، فإن حسمت أدواءكم، وإلا فإن السيف من ورائكم، فكم من حكمة منا لم تعها قلوبكم، ومن موعظة منا صمت عنها آذانكم، ولست أبخل عليكم بالعقوبة، إذا جدتم بالمعصية، ولا أوئسكم من مراجعة الحسنى، إن صرتم إلى التي هي أبر وأتقى.

واستخلف عتبة هذا عاملا له على أهل مصر، وكانت له شدة، فامتنع عليه بعض أهلها، فكتب إلى عتبة، فقدمها فدخل المسجد ورقي المنبر وقال: يا أهل مصر قد كنتم تعذرون ببعض المنع منكم، لبعض الجور عليكم، وقد وليكم من إن قال فعل، فإن أبيتم درأكم

20

بيده، فإن أبيتم درأكم بسيفه، ثم جاء في الآخر ما أدرك في الأول: إن البيعة شائعة، لنا عليكم السمع، ولكم علينا العدل، وأينا غدر فلا ذمة له عند صاحبه، فناداه المصريون من جانب المسجد «سمعا سمعا» فناداهم «عدلا عدلا.»

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢١٩