ويقول من أمعنوا في درس تاريخ معاوية: إن دعوى سنه لعن علي،
6
عقبى كل خطبة،
7
لم يقم عليها دليل ثابت يركن إليه، وما من أثر يدل على أن هذا اللعن تقدم مروان بن الحكم، وبذلك يبرأ معاوية من هذه الوصمة، وجلب لعن الأمويين عليا من
8
البغضاء المستترة أكثر مما نالهم من الفائدة الحقيقية، كما أخطأ معاوية بإطلاق يد زياد في سياسة القمع في العراق على صورة هائلة تخالف ما كانت عليه سياسة معاوية من اللين، وكان عليه أن يطبق بنفسه هذه السياسة مباشرة، وانتشر لعن الطالبيين للأمويين ولعن الأمويين للطالبيين في كل مكان، وقد لعن الأمويون عليا على منابرهم نحو ألف شهر، ولم تبطل هذه البدعة السيئة إلا في عهد عمر بن عبد العزيز، استعاض عنها بآية:
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا
إلى آخر الآية الشريفة، وقيل: بل جعل مكان ذلك:
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، وقيل: بل جعلهما جميعا، وكان العلويون يقنتون عقب الصلوات يلعنون بني أمية يشفون بذلك نفوسهم الثائرة، من أجل دماء مطلولة، وطوائل
9
طويلة، وملك مستأثر به.
واقتفى معاوية فعل عمر بن الخطاب في العلم بأخبار رجاله ورعيته فانتظم له أمره، وكذا كان زياد بن أبيه وعبد الملك والحجاج. قال الجاحظ: ثم لم يكن من هؤلاء أحد في مثل هذه السياسة حتى ملك المنصور، ونقل عن زياد أن رجلا كلمه في حاجة وجعل يتعرف إليه ويظن أن زيادا لا يعرفه فقال: أنا فلان بن فلان، فتبسم زياد وقال له: أتتعرف إلي وأنا أعرف منك بنفسك، والله إني لأعرفك، وأعرف أباك وأمك وأعرف جدك وجدتك، وأعرف هذا البرد الذي عليك وهو لفلان وقد أعارك إياه، فبهت الرجل وأرعد
10
حتى كاد يغشى عليه.
قلنا: إن معاوية كان يتخير عماله من كفاة أهل بيته أو من غيرهم من رجال دولته وأنصار دعوته، وقد انتهى إلى علمه أن ابن أخته، عبد الرحمن بن أم الحكم عامله على الكوفة، قد أساء السيرة في إمارته فعزله وأقصاه عن الحكم، وقيل: إن سبب عزله أن عبد الله بن همام السلولي قال شعرا وكتبه في رقاع ألقاها في المسجد الجامع وهي:
ألا أبلغ معاوية بن صخر
فقد خرب السواد فلا سوادا
أرى العمال أقساء علينا
بعاجل نفعهم ظلموا العبادا
فهل لك أن تدارك ما لدينا
وتدفع عن رعيتك الفسادا
وتعزل تابعا أبدا هواه
يخرب من بلادته البلادا
إذا ما قلت أقصر عن هواه
تمادى في ضلالته وزادا
وكان معاوية إذا أراد أن يولي رجلا من بني حرب ولاه الطائف، فإن رأى منه خيرا وما يعجبه ولاه مكة معها، فإن أحسن الولاية وقام بما ولي قياما حسنا جمع له معهما المدينة، فكان إذا ولي الطائف رجلا قيل: هو في أبي جاد، فإذا ولاه مكة قيل: هو في القرآن، فإذا ولاه المدينة قيل: هو قد حذق،
11
وأوصى أحد أقاربه ممن استعمله فقال: لا تبيعن كثيرا بقليل، وخذ لنفسك من نفسك، واكتف فيما بينك وبين عدوك بالوفاء، تخف عليك المؤنة وعلينا منك، وافتح بابك للناس. وقال لآخر: إذا أعطيت عهدا فف به، ولا تخرجن منك أمرا حتى تبرمه، فإذا خرج فلا يردن عليك، ولا تطعمن أحدا في غير حقه، ولا تؤيسن أحدا من حق له، وقواعد وضعها معاوية لعماله وفيها شيء من الأساليب لكف الناس بعضهم عن بعض، وإرضاء كل واحد بحقه، وتوفير ثقة الرعايا بولاتهم، ليعتقدوا أنهم لا يكذبون وأنهم إذا قالوا فعلوا.
ومن يمن الدولة الأموية أن كانت لا تستعمل من العمال إلا من ثبتت كفايته ونجدته في تأييد سلطانها، يمحضونها النصح ولا يغفلون عن تعهد حال الناس وكشف ظلاماتهم، واتخاذ الطرق المفضية إلى ما فيه راحتهم وهناؤهم، وإذا تبرم أهل قطر بتدابير من وليهم ينقله الخليفة إلى قطر آخر يستعيض عنه أكفأ منه، أو من كان على شاكلته أو ألين منه عريكة. يريد عاملا حقيقيا للعمل، لا عملا لعامل يرزقه، يتطلب عاملا إذا عرضت له المعضلات أن يفتق له وجه الحيلة ما يتوجه له فيه وجه.