ومن عماله عبد الله بن عباس وكان واليه على البصرة واليه الصدقات والجند والمعاون، وقثم بن العباس وعبيد الله بن عباس وأبو الأسود الدؤلي وسهل بن حنيف وغيرهم.
| إدارة الأمويين
الإدارة على عهد معاوية بن أبي سفيان
ما عرفت للحسن بن علي طريقة في الإدارة؛ لأنه لم يطل أمره غير بضعة أشهر، وذلك في العراق والحجاز، أما سائر الأقطار فكانت في يد معاوية، ولكن عبد الله بن عباس من أعظم أنصار علي كتب إلى الحسن أن يولي أهل البيوتات والشرف يستصلح بهم عشائرهم حتى تكون الجماعة، فإن بعض ما يكره الناس - ما لم يتعد الحق وكانت عواقبه تدعو إلى ظهور العدل وعز الدين - خير من كثير مما يحبون إذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور ووهن الدين.
وتولى الأمر معاوية، وساعده على حسن إدارة الملك سابقة له من تجربة طويلة، ابتدأت منذ كان كاتب وحي رسول الله يشهد روعة الرسالة، فتثقف على أتم ما يكون من الكمال، ورأى منه أبو بكر وعمر ما رآه منه صاحبهما من الغناء فولي الشام عشرين سنة تمرس
1
خلالها بالسياسة، واتسع أمامه أفق جديد من النظر، فأدهش من تولي أمرهم بحلمه، وعلمه، وثاقب رأيه، وفرط دهائه، وكان أبوه من قبل يعالج شئون الناس ويتألفهم ويعرف ما يصلحهم، وعنه أخذ معاوية شيئا في هذا المعنى، والناشئ في مثل هذه الأعمال يتحنك في الإدارة، ويكون إماما في صناعته.
حافظ معاوية على أصول الرسول والراشدين في الإدارة، وما حاد عنها إلا فيما قضت به المصلحة ودعا إليه المحيط الجديد، مثل إخراج الإدارة من سذاجة البداوة إلى بحبوحة الحضارة، وعرف فوائد الشورى فما كان يصدر في المهمات إلا عن مشورة، فهو يرى من الطبيعي أن يأخذ بآراء أشراف القوم، وينزل على حكم وفود
2
البلاد، وله ولآل بيته مجالس يعقدونها في المسجد الجامع، تدور بحوثها على سياسة البلاد وحكمها في الأكثر، ومجالس الأمويين أشبه بمجالس النواب والولايات والشيوخ.
كان معاوية يفض مشاكله بالحسنى، يلين للناس ويشفع المجاملة بالإحسان، يوليه كل ناب
3
نابه في قومه، سيد مسود في أهله، ولا تلين قناته لمن يحاول قلب الخلافة وإخراجها عن بيته بعد أن آلت إليه، وما كان مع من يظلم رعاياه إلا شديدا، ويستميل القلوب بالعطاء وبالإقناع أو بالإغضاء أو بالمجادلة بالتي هي أحسن، وبلغ من سعة الصدر ووافر الحلم أن ضرب المثل بحلمه، وكان إذا لم تنجع في الناس وسائله اللينة، يعمد بعد التماس كل حيلة إلى القوة، وهو القائل: «لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت.» وقيل: وكيف ذاك؟ قال: «كنت إذا مدوها خليتها، وإذا خلوها مددتها.» وقال: إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا، ومن المستحيل كم
4
الأفواه أو تنطق بما يراد، ورضا الناس غاية لا تدرك؛ فما دام الأمر يفض بالكلام، ولا يقوم رجل جد يقلقل أمر الجماعة، فالعالم أحرار في أقوالهم، ومتى لجئوا إلى القوة وتطالوا إلى الفتنة انكفأ عليهم بقوته، وهمته منذ تولى الحكم مصروفة إلى سياسة الدولة، وما عدا ذلك فالناس وما يختارون من الآراء والمذاهب، وهو يستشير أرباب الرأي من أنصار دولته، ولا يأتمن في إدارة الولايات والأعمال إلا الكفاة من آل بيته، فإذا اتفق أن كان فلان ينزع إلى كذا أو يحب فلانا من خصومه، أو يغلظ في بيان رأي يخالفه، فهذا مما لا يتعلق به كبير أمر عنده.
فالسياسة هي كل ما حصر فيه معاوية وكده، ومن أجل توطيد دعائمها لجأ إلى طرق في الدعوة مؤثرة، فجعل القصاص أو الوعاظ في المساجد والمعسكرات يدعون لدولته وينفرون من أعدائها؛ وذلك لما رأى عليا
5
عند منصرفه من صفين قنت في الصلاة ودعا على من خالفه، فوقع في نفس معاوية أن يعامل عليا بالمثل، وأمر من يقص بعد الصبح وبعد المغرب أن يدعو له ولأهل الشام، وحمل الأمصار على احتذاء مثاله في عاصمته، فأحدث قصص الخاصة، وظل قصاص العامة يجتمع إليهم النفر من الناس، يعظونهم ويذكرونهم، ويقصون عليهم ما يرق قلوبهم، وكان القاص إذا سلم الإمام من صلاة الصبح جلس فذكر الله وحمده ومجده وصلى على نبيه، ودعا للخليفة ولأهله ولأهل بيته وجنوده ، وعلى أهل حربه وعلى الكفار كافة، ومن القصاص من كانوا يرفعون أيديهم في قصصهم كما كان سليم بن عتر قاص الجند زمان عمرو بن العاص.