تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

88

ثم احدر إلينا ما اجتمع عندك فصيره حيث أمر الله، فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه أن لا يحول بين ناقة وبين فصيلها، ولا يمصر

89

لبنها فيضر ذلك بولدها، ولا يجهدنها ركوبا، وليعدل بين صواحباتها في ذلك وبينها، وليرفه على اللاغب، وليستأن بالنقب والظالع،

90

وليوردها ما تمر به من الغدر، ولا يعدل بها عن نبت الأرض إلا جواد الطرق، وليروحها في الساعات، وليمهلها عند النطاف

91

والأعشاب، حتى تأتينا بإذن الله بدنا منقيات

92

غير متعبات ولا مجهودات، لنقسمها على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله؛ فإن ذلك أعظم لأجرك وأقرب لرشدك إن شاء الله.

ومن كتاب له إلى بعض عماله وفيه جماع سياسة المخالفين والموافقين إذا جعله كل عامل دستوره في عمله، قال: أما بعد فإن دهاقين

93

أهل بلدك شكوا منك غلظة وقسوة واحتقارا وجفوة، ونظرت فلم أرهم أهلا لأن يدنوا لشركهم، ولا أن يقصوا ويجفوا لعهدهم، فالبس لهم جلبابا من اللين تشوبه بطرف من الشدة، وداول لهم بين القسوة والرأفة، وامزج لهم بين التقريب والإدناء، والإبعاد والإقصاء إن شاء الله. وكتب إلى زياد، وكان عامله على فارس: أما بعد، فإن رسولي أخبرني بعجب، زعم أنك قلت له فيما بينك وبينه أن الأكراد هاجت بك فكسرت عليك كثيرا من الخراج وقلت له: لا تعلم بذلك أمير المؤمنين يا زياد وأقسم بالله إنك لكاذب، ولئن لم تبعث بخراجك لأشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر، ثقيل الظهر، إلا أن تكون لما كسرت من الخراج محتملا. وكتب إلى كعب بن مالك: أما بعد فاستخلف على عملك، واخرج في طائفة من أصحابك، حتى تمر بأرض كورة السواد فتسأل عن عمالي، وتنظر في سيرتهم فيما بين دجلة والعذيب.

قال اليعقوبي:

94

إن عليا حكم بأحكام عجيبة حتى إنه حرق قوما ودخن على آخرين، وقطع بعض أصابع اليد في السرقة، وهدم حائطا على اثنين وجدهما على فسق، وكان يقول: استتروا ببيوتكم والتوبة وراءكم، ومن أبدى صفحته للحق هلك، إن الله أدب هذه الأمة بالسوط والسيف، وليس لأحد عند الإمامة هوادة.

وكان علي

95

يقسم ما في بيت المال كل جمعة حتى لا يترك فيه شيئا، ودخل مرة إلى بيت المال فوجد الذهب والفضة فقال: يا صفراء اصفري، ويا بيضاء ابيضي وغري غيري، لا حاجة لي فيك، وقال: أيها الناس أعينوا على أنفسكم فإن السبعة (أو قال التسعة) يكونون في القرية فيحيونها بإذن الله عز وجل، ولولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض لقسمت هذا السواد بينكم. وانتهى إليه أن أحد عماله يفرق ويهب الأموال وكان عليها، ولامه أن قسم فيء المسلمين في قومه ومن اعتراه من السألة والأحزاب وأهل الكذب من الشعراء كما يقسم الجوز، فأجابه عامله إنه منذ ولي العمل لم يرزأ من عمله دينارا ولا درهما ولا غيرهما، وأن العزل أهون عليه من هذه التهمة. وقال علي: لئن بقيت لنصارى بني تغلب لأقتلن المقاتلة ولأسبين الذرية، فإني كتبت الكتاب بينهم وبين رسول الله على أن لا ينصروا أولادهم، ورأى علي دارا للقاضي شريح عمرها فقومت عليه بثمانين دينارا فوعظه وبكته ضمنا، مع أنه كان يرزق خمسمائة درهم، وكان يقبل الهدية ويكافئ بمثلها.

ومن مجموع هذه الفقرات من كتب علي بن أبي طالب عرفنا منزعه في تدبير الملك، وشدته على من يطيل يده بالأذى إلى الرعية وإلى أموال الدولة، وكان هديه هدي أصحابه الثلاثة من قبل وما خالف علي عمر ولا غير شيئا مما صنع، وقال: إن عمر كان رشيد الأمر ولن أغير شيئا صنعه

96

عمر، ولكن التوفيق أخطأه، فاستغرقت أيامه في الفتن، أكثر من التنظيم والإدارة، وفقد الاستقرار في البلاد للنزاع الذي قام بينه وبين خصومه. قال الجاحظ: لا يعلم رجل في الأرض متى ذكر السبق في الإسلام والتقدم فيه، ومتى ذكرت النخوة والذب عن الإسلام، ومتى ذكر الفقه في الدين، ومتى ذكر الزهد في الأمور التي يتناصر الناس عليها، كان مذكورا في هذه الخلال كلها إلا علي.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢١٦