تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خطب عمر يوما في الجابية من حوران، فمما قاله: ألا وإني ما وجدت صلاح ما ولاني الله إلا بثلاث: أداء الأمانة، والأخذ بالقوة، والحكم بما أنزل الله، ألا وإني ما وجدت صلاح هذا المال إلا بثلاث: أن يؤخذ من حق، ويعطى في حق، ويمنع من باطل. وكتب معاوية إلى عمر يصف له سوء حال الشام فكتب إليه في مرمة حصونها وترتيب المقاتلة فيها، وإقامة الحرس على مناظيرها واتخاذ المواقيد

41

لها. وجاء عمر الشام مرات أربعا يكشف حال عمالها ويعنى بقسمة الأرزاق، ويسمي الشواتي والصوائف، أي غزوات الشتاء والصيف، ويسد الفروج والمسالح

42

في كل كورة، ويستعمل أناسا على السواحل من كل كورة، أو يقسم المواريث بعد طاعون عمواس، وكان هلك فيه من المسلمين خمسة وعشرون ألفا، وقيل: إن عماله استقبلوه مرة بأبهة فنزل وأخذ بالحجارة ورماهم بها وقال: ما أسرع ما رجعتم عن رأيكم، إياي تستقبلون في هذا الزي، وإنما شبعتم منذ سنتين، وبالله لو فعلتم هذا على رأس المائتين، لاستبدلت بكم غيركم، واعتذر له معاوية عامله في الشام عن الموكب الثقيل الذي كان له قائلا: إنا في بلاد لا نمتنع فيها من جواسيس العدو، فلا بد لهم مما يرهبهم من هيبة السلطان، فإن أمرتني بذلك أقمت عليه، وإن نهيتني عنه انتهيت، فلم يأمره به ولم ينهه عنه، فقال عبد الرحمن بن عوف لعمر: لحسن ما صدر هذا الفتى عما أوردته فيه، فقال: لحسن مصادره وموارده جشمناه ما جشمناه. وقيل: إن معاوية قدم على عمر من الشام

43

وهو أبض

44

الناس فضرب عمر بيده على عضده، فأقلع عن مثل الشراب أو مثل الشراك، فقال: هذا والله لتشاغلك بالحمامات، وذوو الحاجات تقطع أنفسهم حسرات على بابك، وقال عمر: لئن عشت إن شاء الله لأسيرن في الرعية حولا، فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع عني، أما هم فلا يصلون إلي، وأما عمالهم فلا يرفعونها إلي، فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين.

وخصلة أخرى أيضا لعمر، تعد من بدائع إدارته الحسنة، وهو أنه ما كانت تفوته مسألة فيها تقوية قلوب الأمة والاعتماد على نفسها. خطب مرة فقال: «أعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إلي، فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة، وأنا حبيب إلي صلاحكم، عزيز عتبكم، وأنتم أناس عامتكم حضر في بلاد، وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضرع إلا ما جاء الله به إليه.» يريد أن يعلم الناس ألا يكثروا من الرجوع إلى الحاكم للفصل بينهم في خصوماتهم، ليصرف وقته في التفكير في أمورهم الخطيرة، وأن يعتمدوا على أنفسهم لا على صاحب السلطان، وأن يعرفهم حالة الحاضر والبادي منهم، ويعلمهم أن يعملوا ولا يسرفوا لأنهم فقراء، ولطالما قال لقومه: أصلحوا أموالكم التي رزقكم الله، ولقليل في رفق خير من كثير في عنف. يريد أن يسوق الناس إلى المدينة بتؤدة وتدريج، وكان يقول: من كان له مال فليصلحه، ومن كانت له أرض فليعمرها، وإنه يوشك أن يجيء من لا يعطي إلا من أحب. ونظر إلى رجل مظهر للنسك متماوت فخفقه بالدرة وقال له: لا تمت علينا ديننا، أماتك الله.

وكان غرام عمر أبدا أن يلقن قومه العمل ويبعد بهم عن حياة الكسل، ولطالما قال لكتابه وعماله: إن القوة على العمل ألا تؤخروا عمل اليوم لغد، فإنكم إذا فعلتم ذلك تذاءبت

45

عليكم الأعمال، فلا تدرون بأيها تبدءون ولا بأيها تأخذون، وقال: اتقوا الله في الفلاحين لا تقتلوهم إلا أن ينصبوا لكم الحرب. ونهى عمر أن تشترى أرض أهل الذمة ورقيقهم وقال: لا تشتروا من عقار أهل الذمة ولا من بلادهم شيئا. وما كان يرى إبعاد العامة عن المجالس العالية لئلا تفوتهم الفوائد، وليتربوا على أيديهم بما يسمعون وينقلون عنهم، ويوزع الأعمال بين الكفاة وأرباب التخصص ويقول: أيها الناس من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني له خازنا وقاسما.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٠٨