38
به ولم ينتطح في عمله عنزان، شاطر عمر سعدا وعمرا وخالدا وهم ممن يفتخر بهم الإسلام، استكثر عليهم أن ينعموا، وإن كان الأول فاتح العراق، والثاني فاتح مصر، والثالث فاتح الشام.
وقيل لعمر: إن عياض بن غنم، وهو من كبار الفاتحين ورجال الإدارة في حكومته، يتوسع كثيرا في إعطاء المال حتى لا يقل في هذا المعنى عن خالد بن الوليد، فقال: إن ذلك من شأن أبي عبيدة، وعياض من أقرباء أبي عبيدة، وعياض بن غنم هذا جلد صاحب دارا حين فتحت، فأغلظ له هشام بن حكيم القول حتى غضب عياض، ثم مكث ليالي فأتاه هشام فاعتذر إليه، ثم قال هشام لعياض: ألم تسمع رسول الله يقول: إن من أشد الناس عذابا أشدهم للناس عذابا في الدنيا؟ فقال عياض: قد سمعنا ما سمعت ورأينا ما رأيت، أو لم تسمع رسول الله يقول: من أراد أن ينصح لذي سلطان عامة فلا يبد له علانية ولكن ليخل به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه، وإنك يا هشام لأنت الجريء إذ تجترئ على سلطان الله، فهلا خشيت أن يقتلك السلطان فتكون قتيل سلطان الله.
كان عمرو بن العاص يبعث إلى عمر بالمال
39
بعد حبس ما كان يحتاج إليه، والمال يجبى من أموال الجزية وما يؤخذ من الخراج، وكان النصارى واليهود أقروا على ما في أيديهم من الأرض يعمرونها ويؤدون خراجها، ووضع عمر في مصر على كل حالم دينارين جزية إلا أن يكون فقيرا، وألزم كل ذي أرض مع الدينارين ثلاثة أرادب حنطة وقسطي زيت وقسطي عسل وقسطي خل، رزقا للمسلمين، تجمع في دار الرزق وتقسم فيهم، وأحصى عمرو بن العاص المسلمين فألزم جميع أهل مصر لكل رجل منهم جبة صوف وبرنسا أو عمامة وسراويل وخفين في كل عام أو بدل الجبة الصوف ثوبا قبطيا، واستبطأ عمر في بعض السنين خراج مصر فكتب إلى عمرو: أما بعد فإني فكرت في أمرك والذي أنت عليه، فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيقة، وقد أعطى الله أهلها عددا وجلدا وقوة في بر وبحر، وأنها قد عالجها الفراعنة وعملوا فيها عملا محكما مع شدة عتوهم وكفرهم، فعجبت من ذلك، وأعجب مما عجبت أنها لا تؤدي نصف ما كانت تؤديه من الخراج قبل ذلك، على غير قحوط ولا جدوب، إلى آخر ما قال له وهز أعصابه بكلمات قاسية، فأجابه عمرو: لقد عملت لرسول الله ولمن بعده فكنا بحمد الله مؤدين لأمانتنا، حافظين لما عظم الله من حق أئمتنا، نرى غير ذلك قبيحا، والعمل به سيئا، وقال: فامض في عملك فإن الله قد نزهني عن تلك الطعم الدنية والرغبة فيها، فكتب إليه إني لم أقدمك إلى مصر أجعلها لك طعمة ولا لقومك، ولكني وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج وحسن سياستك، فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل الخراج فإنما هو فيء المسلمين وعندي من قد تعلم قوم محصورون، فأجابه عمرو: إن أهل الأرض استنظروني إلى أن تدرك غلتهم فنظرت للمسلمين، فكان الرفق خيرا من أن نخرق
40
بهم، فيصيروا إلى بيع ما لا غنى بهم عنه.
ومع هذه الهيمنة من عمر على عماله نراه يشهد لعمرو بن العاص بحسن السياسة دليلا على تقديره عامله قدره، وكان من رأي عمر بن العاص في سياسة مصر أن الذي يصلح هذه البلاد وينميها، ويقر قاطنيها فيها، ألا يقبل قول خسيسها في رئيسها، ولا يستأدي خراج ثمرة إلا في أوانها، وأن يصرف ثلث ارتفاعها في عمل جسورها وتربتها، وكان عمر يقول إذا رأى رجلا يتلجلج في كلامه: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد. وعمرو بن العاص المثل السائر في حسن السياسة بين رجال العرب، دهش قبط مصر بجميل عمله، فدخل منهم في الإسلام كثير، وأدى به التسامح أن رفع رجل نصراني إليه أن غرفة بن الحارث الكندي من أصحاب الرسول الذين سكنوا مصر ضربه فوق أنفه، فقال عمرو للصحابي: إنا قد أعطيناهم العهد، كأنه يريد أن يؤاخذ الصحابي بما فعل، فقال غرفة: معاذ الله أن نعطيهم العهد على أن يظهروا شتم النبي، وإنما أعطيناهم العهد على أن نخلي بينهم وبين كنائسهم، يقولون فيها ما بدا لهم، وأن لا نحملهم ما لا يطيقون، وإن أرادهم عدو بسوء قاتلنا دونهم، وعلى أن نخلي بينهم وبين أحكامهم إلا أن يأتونا راضين بأحكامنا فنحكم بينهم، وإن غيبوا عنا لم نتعرض لهم، فقال عمرو: صدقت.