تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكتب عمر الناس على قبائلهم، أي أحصاهم، ففرض الفروض وأعطى العطايا على السابقة، بدأ بالأقرب فالأقرب من الرسول، وفرض لأهل بدر ولمن بعدهم إلى الحديبية وبيعة رضوان، ثم لمن بعدهم ولأهل القادسية واليرموك، وأعطى نساء النبي وغيرهن، ورزق الصبيان والأئمة والمؤذنين والمعلمين والقضاة والشعراء، وحلف على أيمان ثلاث فقال: والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد، وما أنا أحق به من أحد، والله ما من المسلمين من أحد إلا وله في هذا المال نصيب إلا عبدا مملوكا، ولكنا على منازلنا من كتاب الله تعالى، وقسمنا من رسول الله، فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام؛ والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته، والله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو يرعى مكانه.

جمع عمر المسلمين لأول عهده وقال: ما يحل للوالي من هذا المال؟ فقالوا جميعا: أما لخاصته فقوته وقوت عياله، ولا وكس ولا شطط، وكسوتهم وكسوته للشتاء والصيف، ودابتان إلى جهاده وحوائجه وصلاته وحجه وعمرته، والقسم بالسوية، وأن يعطي أهل البلاء على قدر بلائهم ويرم أمور الناس بعد، ويتعاهدهم عند الشدائد والنوازل، حتى تنكشف ويبدأ بأهل الفيء. وكان عمر إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاستقرضه فربما عسر فيأتيه صاحب بيت المال فيتقاضاه فليزمه فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه فقضاه، وطلب من أحد أصحابه أن يقرضه مالا فقال له: ما يمنعك أن تقترض من بيت المال، فأجابه أنه إذا مات وهو له مدين ربما غفلوا عن تقاضي ما اقترض، أما صاحبه فإنه لحرصه على ماله يطالب الورثة بماله فيستوفيه وتبرأ ذمة عمر.

ومما تعلقت به همة عمر إحداث أوضاع جديدة اقتضتها حالة التوسع في الفتوح، فهو أول من حمل الدرة،

46

وهو أول من دون الدواوين على مثال دواوين الفرس والروم، دونها له عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم، وكانوا من نبهاء قريش لهم علم بالأنساب وأيام الناس، والديوان الدفتر أو مجتمع الصحف والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية، وعرفوا الديوان بأنه موضع لحفظ ما تعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال ومن يقوم بها من الجيوش والعمال، وأطلق بعد حين على جميع سجلات الحكومة وعلى المكان الذي يجلس فيه القائمون على هذه السجلات والأضابير

47

والطوامير، وثبت أنه كان له سجن

48

وأنه سجن الحطيئة على الهجو وسجن ضبيعا على سؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات وشبههن، وضربه مرة بعد مرة ونفاه إلى العراق، وكتب ألا يجالسه أحد فلو كانوا مائة تفرقوا عنه، حتى كتب إليه عامله أنه حسنت توبته، فأمره عمر فخلى بينه وبين الناس، وكانت أعمال عمر جدا كلها لا يجوز لأحد أن يجلس في المسجد في غير أوقات الصلاة، وبنى في المسجد رحبة تسمى البطيحا، وقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج إلى الرحبة، وما كان المسجد في أيامه لغير الصلاة والقضاء، وكان الخلفاء الراشدون يجلسون في المسجد لقضاء الخصومات، ولما كثرت الفتوحات وأسلمت الأعاجم وأهل البوادي وكثر الولدان أمر عمر ببناء بيوت المكاتب ونصب الرجال لتعليم الصبيان وتأديبهم.

49

وضع عمر أول ديوان في الإسلام للخراج والأموال بدمشق والبصرة والكوفة على النحو الذي كان عليه قبل، وقيل: إن أول ديوان وضع في الإسلام هو ديوان الإنشاء، ودواوين الشام تكتب بالرومية، ودواوين العراق بالفارسية، ودواوين مصر بالقبطية، يتولاها النصارى والمجوس دون المسلمين،

50

والسبب في تدوين الدواوين أن عامل عمر على البحرين أتاه يوما بخمسمائة ألف درهم فاستعظمها وجعل عليها حراسا في المسجد، فأشار عليه بعض من عرفوا فارس والشام أن يدون الدواوين يكتبون فيها «الأسماء وما لواحد واحد، وجعل الأرزاق مشاهرة»، وجعل عمر تابوتا أي صندوقا لجمع صكوكه ومعاهداته، وجند الأجناد أي ألف الفيالق، فصير فلسطين جندا، والجزيرة جندا، والموصل جندا، وقنسرين

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٠٩