وقدم سعيد بن عامر على عمر بالمدينة فلم ير عمر معه إلا عكازا وقدحا فقال له: ليس معك إلا ما أرى؟ فقال له سعيد: ما أكثر من هذا؟ عكاز أحمل عليه زادي وقدح آكل فيه، وكان من عماله عمير بن سعد وفيه يقول عمر: وددت لو أن لي رجلا مثل عمير بن سعد
27
أستعين به على أعمال المسلمين، وعمير هذا هو الذي قال على منبر حمص: «لا يزال الإسلام منيعا ما اشتد السلطان، وليس شدة السلطان قتلا بالسيف ولا ضربا بالسوط، ولكن قضاء بالحق وأخذا بالعدل.» وهذا من أبعد مرامي الإدارة العادلة إذا أحس أهل عمل من عاملهم العدل لا يحتاج في سياستهم إلى شيء من الشدة.
كتب عمر إلى عمير أيام كان عامله على حمص: أقبل بما جبيت من فيء المسلمين. فسأله عمر عما عمله، فقال: بعثتني حتى أتيت البلد فجمعت صلحاء أهلها فوليتهم جباية فيئهم، حتى إذا جمعوه وضعته مواضعه، ولو نالك منه شيء لأتيتك به، قال: فما جئتنا بشيء؟ قال: لا، قال: جددوا لعمير عهدا، فقال عمير: لا عملت لك ولا لأحد بعدك، والله ما سلمت بل لم أسلم، لقد قلت لنصراني: أي أخزاك الله، فهذا ما عرضتني له يا عمر، وإن أشقى أيامي يوم خلقت معك يا عمر. وكان إذا استعمل عاملا كتب عهده:
28 «وقد بعثت فلانا وأمرته بكذا.» فلما استعمل حذيفة بن اليمان على المدائن كتب في عهده أن اسمعوا له وأطيعوا وأعطوه ما سألكم، فلما قدم المدائن استقبله الدهاقين، فلما قرأ عهده قالوا: سلنا ما شئت، قال: أسألكم طعاما آكله وعلف حماري ما دمت فيكم. فأقام فيهم، ثم كتب إليه ليقدم عليه، فلما بلغ عمر قدومه كمن له في الطريق، فلما رآه على الحال التي خرج من عنده عليها أتاه فالتزمه وقال: أنت أخي وأنا أخوك.
29
فعمر إذا لم يختر للأعمال إلا أفاضل الرجال ممن كانوا على سمته وزهده، وكان كثيرا ما يستعمل قوما ويدع أفضل منهم لبصرهم بالعمل ويقول: أكره أن أدنس هؤلاء بالعمل، وكان يشاور في كثير من الوقائع حتى قال يوما لأصحابه: أشيروا علي ودلوني على رجل أستعمله في أمر قد دهمني فقولوا ما عندكم، فإني أريد رجلا إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، إذا كان فيهم وهو أميرهم كان كأنه واحد منهم، فقالوا: نرى لهذا الصفة الربيع بن زياد الحارثي فنشير على أمير المؤمنين به، فأحضره وولاه، فوفق في عمله، وقام فيه بما أربى على رجاء عمر وزاد على عمله، فشكر عمر لمن أشاروا عليه بولاية الربيع.
كتب عمر إلى عامله على البحرين العلاء بن الحضرمي أن سر إلى عتبة بن غزوان فقد وليتك عمله، واعلم أنك تقدم على رجل من المهاجرين الأولين الذين سبقت لهم من الله الحسنى، وإني لم أعزله ألا يكون عفيفا صليبا شديد البأس، ولكن ظننت أنك أغنى عن المسلمين في تلك الناحية فاعرف له حقه. ولما سير عمر عتبة بن غزوان إلى البصرة ليقاتل من بالأبلة من فارس قال له: انطلق أنت ومن معك حتى تأتوا أقصى مملكة العرب وأدنى مملكة العجم، وأمره أن يشاور عرفجة بن هرثمة؛ لأنه ذو مجاهدة للعدو وذو مكايدة، وعزل عن بعض ولاية الشام شرحبيل بن حسنة واستعمل بدلا منه معاوية بن أبي سفيان، واعتذر على رءوس الأشهاد أنه لم يعزله عن شيء هجنه به، بل أراد رجلا أقوى من رجل، وبعث المغيرة بن شعبة عاملا على الكوفة لأنه قوي مشدد، وكان عمر سأله عن الضعيف والقوي فقال: أما الضعيف المسلم فضعفه عليك وعلى المسلمين وفضله له، وأما القوي المشدد فقوته لك وللمسلمين وشداده عليه. وعزل النعمان بن عدي عامله على ميسان؛ لأنه بلغه أنه قال أبياتا في التشبيب، تشير إلى أنه يتعاطى الراح، مع أنه عارف بأن ذلك لم يكن وإنما هو قول شاعر. وعزل زياد بن أبي سفيان فقال زياد: أعن عجز عزلتني يا أمير المؤمنين أم عن خيانة؟ فقال: لا عن ذاك ولا عن هذا، ولكني كرهت أن أحمل على العامة فضل عقلك. وكتب إلى سعد بن أبي وقاص أن شاور طلحة الأسدي وعمر بن معدي كرب في أمر حربك، ولا تولهما من الأمر شيئا، فإن كل صانع هو أعلم بصنعته. وكتب إلى النعمان