30
بن مقرن أن قبلك رجلين هما فارسا العرب عمرو بن معدي كرب وطلحة بن خويلد فشاورهما في الحرب ولا تولهما شيئا من الأمر. وبعث مع أبي عبيد بن مسعود سليط بن قيس لفتح العراق وقال له: لولا عجلة فيك لوليتك، ولكن الحرب زبون لا يصلح لها إلا الرجل المكيث.
31
وسأل عمر عمرو بن معدي كرب عن خبر سعد بن أبي وقاص نفسه فقال: متواضع في حبائه،
32
عربي في نمرته، نبطي في جبوته، أسد في تاموره،
33
يعدل في القضية ويقسم بالسوية، ويبعد في السرية، ويعطف علينا عطف الأم البرة، وينقل إلينا حقنا نقل الذرة، ولما شكا أهل الكوفة سعدا عزله عمر ولم تأخذه به هوادة؛ لأن الغاية إنفاذ العمل النافع للناس على يد أي كان من عماله، وألا يفتح للمسلمين بابا للشكوى، وخير ضروب السياسة أن يكون عمل العاملين فيها أكثر من قول القائلين، وسعد هذا هو الذي كان أجمع الصحابة على توسيد حرب العراق إليه، فأوصاه عمر بقوله يا سعد سعد بني وهب ، لا يغرنك من الله أن قيل: خال رسول الله وصاحب رسول الله، فإن الله عز وجل لا يمحو السيئ بالسيئ ولكنه يمحو السيئ بالحسن، وليس بين الله وبين أحد نسب إلا طاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت النبي منذ بعث إلى أن فارقنا يلزمه فالزمه فإنه الأمر، هذه عظتي إليك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك، وكنت من الخاسرين، وذهب سعد بهذه النصيحة فكان على يده فتح العراق.
كتب عمر إلى سعد حين افتتح العراق: «أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أن الناس سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم وما أفاء الله عليهم، فإذا جاءك كتابي هذا فانظر ما أجلب الناس عليك إلى العسكر من كراع أو مال فاقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأرضين والأنهار لعمالها، ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنك إن قسمتها بين من حضر، لم يكن لمن بقي بعدهم شيء، وقد كنت أمرتك أن تدعو الناس ثلاثة أيام فمن استجاب لك وأسلم قبل القتال، فهو رجل من المسلمين له ما لهم وله سهم في الإسلام، ومن استجاب لك بعد القتال وبعد الهزيمة فهو رجل من المسلمين، وماله لأهل الإسلام لأنهم قد أحرزوه قبل إسلامه، فهذا أمري وعهدي إليك، ولا عشور على مسلم ولا على صاحب ذمة إذا أدى المسلم زكاة ماله وأدى صاحب الذمة جزيته التي صالح عليها، إنما العشور على أهل الحرب إذا استأذنوا أن يتجروا في أرضنا فأولئك عليهم العشور.»
كان عمر على شدة فيه مع عماله إذا أحس اعتداء أو شبه اعتداء وقع على أحدهم يشتد على المعتدين في تلك الناحية ليبقى للعامل هيبة توقره في الصدور؛ ومهابة يلجم بها العامة والخاصة. وقع له مرة أن حصب
34
أهل العراق إمامهم، وقد كان عوضهم إماما مكان إمام كان قبله فحصبوه، فغضب وقال لأهل الشام: تجهزوا لأهل العراق فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ، ودعا عليهم، ذلك لأن شكوى العراقيين عاملهم كانت باطلة، وهو الذي يتحرى في انتقاء عماله ولا يستسلم لأحد منهم، بل يجعل بعضهم رقيبا على بعض، وله عليهم سلطان دونه كل سلطان. شكا عتبة بن غزوان
35
تسلط سعد بن أبي وقاص عليه فسكت عنه عمر، فأعاد عتبة ذلك مرارا، فلما أكثر على عمر قال: وما عليك يا عتبة أن تقر بالإمرة لرجل من قريش له صحبة مع رسول الله وشرف؟ فقال له عتبة: ألست من قريش والرسول يقول: حليف القوم منهم، ولي صحبة مع رسول الله قديمة لا تنكر ولا تدفع؟ فقال عمر: لا ينكر ذلك من فضلك، قال عتبة: أما إذا صار الأمر إلى هذا فوالله لا أرجع إليها أبدا؟ فأبى عمر إلا أن يرده فرده فمات في الطريق، وهذا من تأثير عمر في عماله ومعاملته لهم بما تريد المصلحة لا بما يريدون. مثال آخر يخالف هذا - والإدارة تختلف باختلاف الأزمان والبلدان - خالف معاوية وهو أمير الشام عبادة بن الصامت في شيء أنكره عبادة فأغلظ له معاوية في القول، فقال عبادة: لا أساكنك بأرض واحدة أبدا ورحل إلى المدينة، فقال عمر: ما أقدمك؟ فأخبره، فقال: ارجع إلى مكانك يفتح الله أرضا لست فيها أنت ولا أمثالك، وكتب إلى معاوية لا إمرة لك عليه، ذلك أن عمر لم يكن يستغني عن خدمة معاوية ولا عن فضل عبادة.