تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15

كان يهدي إليه فخذ جزور فخاصم إليه رجلا فقال: يا أمير المؤمنين، اقض بيننا قضاء فصلا، كما تفصل الرجل من سائر الجزور، فقضى عليه عمر، ثم كتب إلى عماله إن الهدايا هي الرشا. وكان عمر إذا قدم العمال يأمرهم أن يدخلوا نهارا ولا يدخلوا ليلا كي لا يحتجنوا

16

شيئا من الأموال، وكان يعس

17

بنفسه ويرتاد منازل المسلمين ويتفقد أحوالهم، ويتعهد أهل البؤس والفاقة بنفسه.

كتب إلى أبي موسى الأشعري عامله على العراق يأمره بالقدوم عليه هو وعماله وأن يستخلفوا جميعا، يريد أن يعرف حالتهم بعد أن تبنكوا

18

في النعيم، وعهدت إليهم مصالح الناس، فأدرك عامل البحرين من بين كثير من العمال أن عمر يرغب في الخشونة، وعرف أنه سيدعوهم إلى طعامه فتجوع له، واتخذ خفين مطارقين

19

ولبس جبة صوف ولاث

20

عمامته على رأسه، فدعاهم عمر إلى خبز وأكسار

21

بعير، فجعلوا يعافونه؛ لأنهم حديث عهدهم بلين العيش، وعمر يلحظهم، ولفت عامل البحرين نظر عمر، وتهافته على تناول الطعام، فسأله عمر عن عمله ثم عن جعله فأجاب إنه يرزق ألفا، فقال له عمر: إنه كثير ما تصنع به؟ قال: أتقوت منه شيئا وأعود به على أقارب لي، فما فضل عنهم فعلى فقراء المسلمين، فأمر عمر أبا موسى أن يستبدل بأصحابه، وأبقى عامل البحرين في عمله؛ لأنه رآه مقلا متقشفا لا يخشى أن يسرف في المال، وولى عمر رجلا بلدا فوفد عليه

22

فجأة مدهنا حسن الحال في جسمه، عليه بردان، فقال له عمر: أهكذا وليناك؟ ثم عزله ودفع إليه غنيمات يرعاها، ثم دعا به بعد مدة فرآه باليا أشعث في ثوبين أطلسين ،

23

وذكر عند عمر بخير فرده إلى عمله، وقال: كلوا واشربوا وادهنوا فإنكم تعلمون الذي تنهون عنه.

كان إذا قدم وفد على عمر سألهم عن حالهم وأسعارهم، وعمن يعرف من أهل البلاد وعن أميرهم هل يدخل إليه الضعيف وهل يعود المريض، فإن قالوا: نعم، حمد الله تعالى، وإن قالوا: لا، كتب إليه: أقبل. وكان من سنة

24

عمر وسيرته أن يأخذ عماله بموافاة الحج في كل سنة للسياسة وليحجزهم بذلك عن الرعية، وليكون لشكاتهم وقت وغاية ينهونها إليه، كتب إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد، فإن للناس نفرة فأعوذ بالله أن تدركني وإياك عمياء مجهولة، وضغائن محمولة، أقم الحدود ولو ساعة من نهار، وإذا عرض لك أمران: أحدهما لله والآخر للدنيا، فآثر نصيبك من الله، فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى، وأخيفوا الفساق واجعلوهم يدا يدا ورجلا رجلا، وعد مرضى المسلمين، واشهد جنائزهم، وافتح لهم بابك، وباشر أمورهم بنفسك، فإنما أنت رجل منهم غير أن الله جعلك أثقلهم حملا، وقد بلغني أنه فشا لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمسلمين مثلها، فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة مرت بواد خصيب فلم يكن لها هم إلا السمن، وإنما حتفها في السمن، واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيته، وأشقى الناس من شقي الناس به والسلام.

وبلغ عمر أن أبا عبيدة عامله على الشام يسبغ على عياله، وقد ظهرت شارته، فنقصه من عطائه الذي كان يجري عليه، ثم سأل عنه فقيل له: قد شحب لونه، وتغيرت ثيابه، وساءت حاله، فقال: يرحم الله أبا عبيدة ما أعف وأصبر! فرد عليه ما كان حبس عنه وأجراه عليه. ودخل عمر منزل أبي عبيدة فلم ير إلا لبدا وصحفة وشنا،

25

وسأله طعاما فأخرج له من جونة

26

كسيرات فبكى عمر وقال: غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة، وأرسل إليه أربعمائة دينار، وسأل من أرسله أن يقف على ما يفعل بها فوزعها أبو عبيدة كلها، وأرسل مثلها إلى معاذ بن جبل فوزعها إلا أشياء قليلة سألته امرأته إياها لحاجتها، فقال عمر لما أخبر بذلك: الحمد الله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا.

كان معظم عمال عمر على غرار أبي عبيدة ومعاذ من التقشف والتبلغ باليسير، وكان إذا لم تقنع نفسه بحسن سيرهم على الصورة التي لا يرى غيرها، لا يتلكأ عن عزلهم، فقد شكا أهل حمص عاملهم سعيد بن عامر وسألوه عزله؛ لأنه لا يخرج للناس حتى يرتفع النهار، ولا يجيب أحدا بليل، وله في الشهر يوم لا يخرج فيه، فلما أيقن عمر أن عامله يعجن كل يوم خبزه ويجلس حتى يختمر فيخبزه ثم يخرج للناس، وأنه يجعل الليل كله للعبادة، وأنه يشتغل مرة في الشهر بغسل ثيابه، بعث إليه عمر ألف دينار يستعين بها فوزعها على جيش من جيوش المسلمين.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٠٣