فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ، واسألوا الله المعونة على أنفسكم، كما تسألونه النصر على عدوكم، أسأل الله ذلك لنا ولكم، وترفق بالمسلمين في مسيرهم ولا تجشمهم مسيرا يتعبهم، ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم، حتى يبلغوا عدوهم، والسفر لم ينقص قوتهم، فإنهم سائرون إلى عدو مقيم حامي الأنفس والكراع، وأقم بمن معك في كل جمعة يوما وليلة حتى تكون لهم راحة يجمون فيها أنفسهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم، ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة، فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه، ولا يرزأ أحدا من أهلها شيئا، فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها، فما صبروا لها فعفوا لهم، ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح، وإذا وطئت أدنى أرض العدو فأذك العيون بينك وبينهم، ولا يخف عليك أمرهم، وليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تطمئن إلى نصحه وصدقه، فإن الكذوب لا ينفعك خبره، وإن صدق في بعضه، والغاش عين عليك وليس عينا لك، وليكن منك عند دنوك من أرض العدو أن تكثر من الطلائع وتبث السرايا بينك وبينهم، فتقطع سرايا أمدادهم ومرافقهم، وتتبع الطلائع عوراتهم، وانتق للطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك، وتخير لهم سوابق الخيل، فإن لقوا عدوا كان أول ما تلقاهم القوة من رأيك، واجعل أمر السرايا إلى أهل الجهاد والصبر والجلاد، ولا تخص بها أحدا يهوى، فيضع من رأيك وأمرك أكثر مما حابيت به أهل خاصتك، ولا تبعث طليعة ولا سرية في وجه تتخوف عليها فيه ضيعة ونكاية، فإذا عاينت العدو فاضمم إليك أقاصيك وطلائعك وسراياك، واجمع إليك مكيدتك وقوتك، ثم لا تعاجلهم المناجزة، ما لم يستكرهك قتال، حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله، وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها، فتصنع بعدوك كصنيعه بك، ثم أذك حراسك على عسكرك، وتحفظ من البيات جهدك، ولا تؤت بأسير ليس له عهد إلا ضربت عنقه، ترهب بذلك عدوك وعدو الله، والله ولي أمرك ومن معك، وولي النصر لكم على عدوكم وهو المستعان.
كان عمال عمر عرضة لكشف أحوالهم مهما بلغ من منزلتهم، وكان إذا شكي
12
إليه عامل أرسل محمد بن مسلمة يكشف الحال، وله عدة طرق في كشف سيرة عماله، منها أن يأمر عماله أن يوافوه بالموسم فإذا اجتمعوا قال: أيها الناس إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم ولا من أموالكم، إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم، وليقسموا فيئكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم، فما قام إلا رجل واحد، فقال: إن عاملك فلانا ضربني مائة سوط، قال: فيم ضربته؟ قم فاقتص منه.
فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين إنك إن فعلت هذا يكثر عليك ويكون سنة يأخذ بها من بعدك، فقال: كيف
13
لا أقيد، وقد رأيت رسول الله يقيد من نفسه؟ قال: فدعنا فلنرضه، قال: دونكم فارضوه، فافتدى منه بمائتي دينار كل سوط بدينارين، وقال: من ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له علي إلا أن يرفعها إلي حتى أقصه منه، فقيل له: أرأيت إن أدب أمير رجلا من رعيته أتقصه منه؟ فقال: وما لي لا أقصه منه، وقد رأيت رسول الله يقص من نفسه؟
قالوا: وكان أبا العيال
14
يسلم على أبوابهن ويقول: ألكن حاجة وأيتكن تريد أن تشتري شيئا فيرسلون معه بحوائجهن، ومن ليس عندها شيء اشترى لها من عنده، وإذا قدم الرسول من بعض الثغور يتبعه بنفسه في منازلهن بكتب أزواجهن ويقول: أزواجكن في سبيل الله، وأنتن في بلاد رسول الله، إذا كان عندكن من يقرأ وإلا فاقربن من الأبواب حتى أقرأ لكن ثم يقول: الرسول يخرج يوم كذا وكذا فاكتبن حتى نبعث بكتبكن، ثم يدور عليهن بالقراطيس والدواة يقول: هذه دواة وقرطاس فادنين من الأبواب حتى أكتب لكن، ويمر إلى المغيبات فيأخذ كتبهن فيبعث بها إلى أزواجهن.
وكان إذا استعمل عاملا أوصاه بتقوى الله وإصلاح الرعية وكتب عليه كتابا وأشهد عليه رهطا من الأنصار ألا يركب برذونا، ولا يأكل نقيا، ولا يلبس رقيقا، ولا يغلق بابه دون حاجات المسلمين، ثم يقول: اللهم اشهد. وكتب إلى عماله: أما بعد، فإياكم والهدايا فإنها من الرشا. اهتدى إلى عظيم ضرر الهدايا مما بدر من رجل