دعا أبو بكر عمرو بن العاص وسلم إليه الراية، وقال: قد وليتك هذا الجيش فانصرف إلى أهل فلسطين، وكاتب أبا عبيدة وأنجده إذا أرادك، ولا تقطع أمرا إلا بمشورته، اتق الله في سرك وعلانيتك، واستحيه في خلواتك، فإنه يراك في عملك، وقد رأيت تقدمتي لك على من هم أقدم منك سابقة وأقدم حرمة، فكن من عمال الآخرة، وأرد بعملك وجه الله، واسلك طريق إيلياء حتى تنتهي إلى أرض فلسطين، وإياك أن تكون وانيا عما ندبتك إليه، وإياك أن تقول: جعلني ابن أبي قحافة في نحر العدو ولا قوة لي به، واعلم يا عمرو أن معك المهاجرين والأنصار من أهل بدر فأكرمهم واعرف حقهم، ولا تتطاول عليهم بسلطانك، ولا تداخلك نخوة الشيطان فتقول: إنما ولاني أبو بكر لأني خيرهم، وإياك وخدائع النفس، وكن كأحدهم وشاورهم فيما تريد من أمرك ... وكان مما قاله أبو بكر ليزيد بن أبي سفيان: إني قد وليتك لأبلوك وأجربك وأخرجك، فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك، وإن أسأت عزلتك. فأبو بكر على هذا بدأ بتجربة من توسم فيهم الغناء من القواد، وهددهم بالعزل إذا لم يحسنوا، واختط لهم الخطة الواجبة في مشاورة من معهم، وحذرهم الاعتداد بأنفسهم، فكانوا عند حسن ظنه بهم.
ولم يحدث أبو بكر في أيامه أحداثا جديدة، والفتوح لم تقف مع حروب الردة، ووجه وجهته نحو الشام وكان آخر جيش جهزه جيش اليرموك، جهزه بكل حكمة وبذل في تنظيمه أقصى الجهد، وجعل فيه قاصا، وجعل أبا سفيان بن حرب قاصا يسير في الجماعة ويقول: الله الله عباد الله انصروا الله ينصركم، اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك، يا نصر الله اقترب، يا نصر الله اقترب. وقصاص الجند يقصون عليهم أخبار الوقائع والفروسية وقصصا وأحاديث عن الأمم الماضية وأساطير وحكايات.
إدارة عمر بن الخطاب
كانت أول خطبة خطبها عمر بن الخطاب لما ولي الخلافة: أيها الناس، إنه والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ له الحق، ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه، وما كان عمر ممن أولع بإلقاء الخطب كثيرا، على بلاغة فيه مستحكمة وعلم غزير، ولا يرتقي المنبر إلا إذا قضت الضرورة، وأراد بيان أمر ذهبت فيه نزوات النفوس مذهبا لا يرضاه، وكثيرا ما قال: إن هذا الأمر لا يصلح فيه إلا اللين في غير ضعف، والقوي في غير عنف، وكذلك كان عمر يجمع بين اللين والشدة، وهو إلى هذه ولا سيما على عماله أقرب.
طريقة عمر في الإدارة طريقة أبي بكر وصاحبه من قبل: إطلاق الحرية للعامل في الشئون الموضعية، وتقييده في المسائل العامة، ومراقبته في خلوته وجلوته، «وكان
8
علمه بمن نأى عنه من عماله ورعيته، كعلمه بمن بات معه في مهاد واحد، وعلى وساد واحد، فلم يكن له في قطر من الأقطار، ولا ناحية من النواحي عامل ولا أمير جيش إلا وعليه له عين لا يفارقه ما وجده، فكانت ألفاظ من بالمشرق والمغرب عنده في كل ممسى ومصبح، وأنت ترى ذلك في كتبه إلى عماله وعمالهم حتى كان العامل منهم ليتهم أقرب الخلق إليه وأخصهم به.» كان كما قال المغيرة بن شعبة أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع.
كان إذا استعمل العمال خرج معهم يشيعهم
9
فيقول: إني لم أستعملكم على أمة محمد على أشعارهم
10
ولا على أبشارهم، وإنما استعملتكم عليهم لتقيموا بهم الصلاة، وتقضوا بينهم بالحق، وتقسموا بينهم بالعدل، لا تجلدوا العرب فتذلوها، ولا تجمروها
11
فتفتنوها، ولا تغفلوا عنها فتحرموها، جودوا القرآن وأقلوا الرواية عن محمد
صلى الله عليه وسلم
وأنا شريككم. وكان يقص من عماله، وإذا شكي إليه عامل جمع بينه وبين من شكاه، فإن صح عليه أمر يجب أخذه به أخذه.
وكان إذا بعث أمراء الجيوش يوصيهم بتقوى الله وأن لا يعتدوا ولا يجبنوا عند اللقاء، ولا يمثلوا عند القدرة، ولا يسرفوا عند الظهور، ولا يقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا، وأن يتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان وشنت الغارات، وأن لا يغلوا عند الغنائم، وينزهوا الجهاد عن عرض الدنيا، وكتب إلى سعد بن أبي وقاص: أما بعد؛ فإني آمرك ومن معك بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا قوة بهم؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية، كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا: إن عدونا شر منا، فلن يسلط علينا وإن أسأنا حرب قوم قد سلط عليهم شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفرة المجوس