وجه الرسول علي بن أبي طالب إلى بعض الوجوه، فقال له فيما أوصاه: قد بعثتك وأنا بك ضنين، فابرز للناس وقدم الوضيع على الشريف، والضعيف على القوي، والنساء قبل الرجال، ولا تدخلن أحدا يغلبك على أمرك، وشاور القرآن فإنه إمامك.
هذا جملة ما يقال في تدبير الرسول في الإدارة من بث دعوة، وجهاد عدو، وأخذ غنائم وصدقات وجزى وعشور، وقسمتها بين المجاهدين وأهل البلاء من المهاجرين والأنصار، ثم على فقراء المسلمين، وما كان من توزيعه العمل بين عماله ومعاملته لهم وللوفود والنساء، واتخاذ الجند والمحاربين، واشتداده في الحق، ولينه إذا دعت الحال إلى اللين، وإغضائه أحيانا لما يلحق به من الأذى، يرتقب الفرص لمن يكيد للمسلمين.
ومما يصح التمثل به في باب اللين أنه رضي يوم الحديبية أن يدخل وأصحابه مكة ثلاثة أيام فقط على أن يكونوا بجلبان
43
السلاح، وصالح سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي فدعا علي بن أبي طالب، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا أعرف هذا ولكن أكتب باسمك اللهم، فقال رسول الله: اكتب باسمك اللهم، فكتبها، ثم قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال رسول الله: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال،
44
وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه إلخ. فاستاء المسلمون من هذا العهد بعد أن فازوا على أعدائهم؛ وأحب الرسول حقن الدماء فقبل من خصمه هذا العنت. ويقول القسطلاني:
45
إن الحكمة في موافقة الرسول سهيلا على أن لا يأتيه منهم رجل إن كان على دين الإسلام إلا رده إلى المشركين؛ أن فتحت مكة وأسلم أهلها كلهم، وكانوا قبل الصلح لا يختلط المشركون بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبي كما هي، فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين وجاءوا إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة ودخلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونه، وسمعوا منهم أحوال النبي ومعجزاته الظاهرة، وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك، فمالت نفوسهم إلى الإيمان حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة فأسلموا، وازداد الآخرون ميلا إلى الإسلام، فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم، لما كان قد تمهد لهم من الميل، وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش، فلما أسلمت قريش أسلمت العرب في البوادي.
| إدارة الخلفاء الراشدين
إدارة أبي بكر الصديق
سار أبو بكر بسيرة الرسول في الإدارة الإسلامية، واحتفظ بالعمال الذين استعملهم صاحب الشريعة، والأمراء الذين أمرهم ، ومن العمال من أبى أن يعمل لغير رسول الله فاعتزل العمل، ولما وسدت الخلافة إلى الصديق قال له أبو عبيدة: أنا أكفيك المال، وقال عمر: وأنا أكفيك القضاء، فمكث عمر سنة لا يأتيه رجلان، ولم يخاصم إليه أحد، وذلك لأن الناس كانوا أول ظهور الإسلام يرون من الطبيعي أن يعطي الإنسان الحق ويأخذ الحق، ويقف عند حدود الله لا يقارف منكرا ولا يسرف على نفسه، ويبعد عن الزور وأكل أموال الناس بالباطل، ويجعل رائده الصدق في أقواله وأفعاله.
كان إذا نزل بالصديق أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي وأهل الفقه، ودعا رجالا من المهاجرين والأنصار، دعا عمر وعثمان وعليا وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، وكل هؤلاء كان يفتي الناس في خلافة أبي بكر، على أن أبا بكر كان جد عالم بالشريعة وأخبار الناس وأيامهم وأنسابهم وسياساتهم، إلى ما رزق من صدر رحب يطلب من كل صاحب إدارة، واختار من القضاة ما اختاره الولاة غالبا، وكان ولاة المدينة