تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

35

من الناس، وشدة من الحر، وجدب في البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم فيه» وجاء المتخلفون عن هذه الغزاة وكانوا ثمانين رجلا، فقبل الرسول منهم علانيتهم وأيمانهم، واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، وفي هذه الغزوة حض الرسول أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وكان من أفضل القربات أن يجهز أرباب اليسار أناسا للغزو يتكفلون بطعامهم وإطعام ذويهم، ويعطونهم السلاح والكراع واللباس ليغزوا ويرابطوا،

36

وكان المسلمون كلهم جندا يقاتلون للدين وكان لا يزال فيهم أبدا من يبذل شطرا صالحا من ماله في وجوه البر والقرب، لا يريدون على إسلامهم ونصرهم للرسول جزاء، وكان الرسول يوري بغزواته، وقل أن يعين لأصحابه الوجهة التي يقصدها في غزاته، وكتب مرة لأحدهم كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وكان لا يستكره من أصحابه أحدا، أي لا يندبهم للعمل قسرا، وذلك ليترصد بذلك قريشا ويعلم له من أخبارهم.

ولم يكن للمسلمين سلاح جاهز، وسلاحهم القوس والنبل والحربة والسيف والدرع والمغفر

37

والنسبغة

38

ثم اتخذ أنواع السلاح التي كانت موجودة إذ ذاك عند الأمم، واستعار الرسول يوم هوازن

39

مائة درع بما يكفيها من السلاح من صفوان بن أمية ليلقى بها العدو، على أن تكون عارية مضمونة حتى يؤديها إليه، ورأى الرسول أن اتساع الفتوح يقضي بأن يتعلم بعض أصحابه صنعة الدبابات والمجانيق والضبور

40

أي صنائع القتال، فأرسل إلى جرش اليمن اثنين من أصحابه يتعلمانها، وكان أهل الطائف أول من رمي بالمنجنيق، وأخذ المسلمون بعيد ذلك يعدون لأعدائهم ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل؛ لأنهم قادمون على فتح الشام والعراق على ما بشرهم به الرسول، فقال لعدي بن حاتم: لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عددهم وقلة عددهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم. وقال مرة: أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوا فيها فتهلككم كما أهلكتهم.

كان إذا سقط في يد الرسول أحد أذكياء المشركين أبقى عليه في الغالب، عل في حياته ما يستفيد منه الإسلام إذا أسلم، أما من قتلوا النفس التي حرم الله فهؤلاء لا تأخذه بهم رحمة، قدم عليه نفر من العرب قد ماتوا هزالا فأسلموا واجتووا

41

المدينة فأمرهم الرسول أن يأتوا إبل الصدقة يشربون من ألبانها ففعلوا وصحوا وسمنوا فارتدوا وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل فبعث في آثارهم، فما ترجل

42

النهار حتى جيء بهم وأوقع عليهم أشد العقوبة الشرعية.

وكان يسمح باستخدام النساء في حروبه وغزواته، يخدمن الجرحى ويأخذن من العطاء، ويتولين من الرجال ما يصلحن له كالطعام والإسقاء، ويحمسن من يحتاج إلى تحميس، وجعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة يقال لها رفيدة في مسجده كانت تداوي الجرحى وتحبس نفسها على خدمة من كان فيه ضيقة من المسلمين، وكذلك كانت أخت رفيدة واسمها كعبة بنت سعيد الأسلمية، ومنهن من كن يخطن القرب، فالنساء في حكومته ممرضات طاهيات ساقيات خياطات محمسات داعيات، وأمر الرسول أن لا يقتل النساء في الحرب، فكان بذلك يستفيد من كل قوة في بلده يستعين بها على الظهور على المشركين.

ومن خطبه الإدارية ما ورد في الثقات أنه قعد على بعير له وأخذ إنسان بخطامه أو بزمامه فقال: أي يوم هذا؟ قال من حضر: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: فأي شهر هذا؟ قال: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس بذي الحجة؟ قالوا: بلى، قال: فأي بلد هذا؟ قال: فأمسكنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه؟ فقال: أليس بالبلد الحرام؟ قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأعراضكم (وفي رواية وأموالكم) بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا ليبلغ الشاهد الغائب.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٩٨