24
حمير، وما كان كلام محمد يشبه شيئا من كلامهم. وقال أبو سفيان بن حرب: ما رأيت أحدا يحب أحدا من الناس كحب أصحاب محمد محمدا.
وكثرت الوفود في السنة التاسعة للهجرة حتى سمي عام الوفود، وفي سنة سبع بعث دحية الكلبي بكتاب إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل ليدفعه إلى قيصر، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى، وعمرو بن أمية إلى النجاشي، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس في مصر، والعلاء بن الحضرمي إلى المنذر ابن ساوى ملك البحرين، وشجاع بن وهب الأسدي إلى الحرث بن أبي شمر الغساني، والمهاجر بن أبي أمية إلى الحرث ملك اليمن، يدعوهم كلهم إلى الإسلام.
وجاءت وفود العرب من كل وجه، وكان الرسول يكرمهم ويفضل عليهم بعطائه، ومنهم من يضيفه عشرة أيام كوفد عبد القيس، ومنهم من يبالغ في إكرامه كملوك اليمن، وإنما سموا ملوكا؛
25
لأنه كان لكل واحد منهم واد يملكه بما فيه، وكانت كتبه إلى ملوك الأطراف خارج الجزيرة بلغة مضر وفصيح ألفاظها وكلها موجزة، واستعمل ألفاظا في بعض كتبه إلى أهل اليمن وغيرهم غير معروفة للعرب كافة إلا في قبيل واحد، وذلك إرادة إفهام القوم ومخاطبتهم بمألوفهم من العبارات،
26
قال علي للرسول، وقد سمعه يخاطب وفد بني نهد: يا رسول الله، نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره، فقال: «أدبني ربي فأحسن تأديبي، وربيت في بني سعد.» فكان يخاطب العرب على اختلاف شعوبهم وقبائلهم بما يفهمون.
ولم يكن للرسول بيت مال، وكان يخبأ الأموال في بيته وبيوت أصحابه، وفي الغالب أن الفيء يقسم من يومه، خصوصا إذا كان من الناطق كالإبل والشياه والخيل والبغال، والرسول يعطي الآهل
27
من الفيء حظين والعزب حظا،
28
وبلغ من تبادل الثقة
29
والحب بين المسلمين في صدر الإسلام أنهم كانوا خلطاء بالمال، يأخذ فقيرهم من مال الآخر؛ لقوله تعالى:
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، ولقد أهديت لعبادة بن الصامت
30
هدية، وإن معه في الدار اثني عشر من أهل بيته، فقال عبادة: اذهبوا بهذه إلى آل فلان فهم أحوج إليها منا، قال الوليد بن عبادة: فأخذتها، فكنت كلما جئت أهل بيت يقولون: اذهبوا بها إلى آل فلان فهم أحوج منا إليها، حتى رجعت الهدية إلى عبادة قبل الصبح.
كان بالمدينة في زمن النبي شاب يقال له مالك بن ثعلبة الأنصاري ولم يكن بالمدينة شاب أغنى منه، فمر بالنبي والنبي يتلو هذه الآية: (والذين يكنزون إلى قوله فذوقوا ما كنتم تكنزون)، فغشي على الشاب فلما أفاق دخل على النبي فقال: بأبي أنت وأمي هذه الآية لمن كنز الذهب والفضة؟ فقال له النبي: نعم يا مالك، قال: والذي بعثك بالحق ليمسين مالك ولا يملك دينارا ولا درهما، قال: فتصدق بماله كله.
وما كان أصحاب رسول الله بالمنخرقين
31
ولا المتماوتين،
32
يتناشدون الأشعار، ويجلسون في مجالسهم، ويذكرون جاهليتهم، فإن أريد إنسان منهم على شيء من أمر دينه دارت عيناه فترى حماليقها
33
غضبا، بل كان منهم من إذا ارتكب كبيرة يعاقب عليها الإسلام يأتي الرسول يطلب إقامة الحد الشرعي عليه، أو يسمع منه ما ينقلب به إلى أهله مسرورا، يأخذ حكمة تثلج بها نفسه، ويعتقد أنه تحلل من ذنبه واستغفر له الرسول.
وأراد النبي مرة إحصاء المسلمين، فقال: اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس، فكتبوا له ألفا وخمسمائة رجل، وما كان يجمع المسلمين في أول أمرهم كتاب حافظ، أي ديوان مكتوب،
34
وكان إذا نودي للزحف وتخلف عنه أحدهم لعذر أو شبه عذر، يلومه الرسول وأصحابه، وإذا تبين أنه تعمد أن يكون مع المتخلفين عن القتال يعاتب، ويقاطعه الجماعة ويجتنبونه لا يكلمه أحد، ولما أمر الرسول بالتهيؤ لغزو الروم في تبوك، تثاقل المسلمون عنها وأعظموا غزوهم، فنافق من نافق من المنافقين، حين دعوا إلى ما دعوا إليه من الجهاد، وكان «ذلك في زمن عسرة