تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأول قاض في المدينة عبد الله بن نوفل، ومقرئ المدينة مصعب بن الزبير، وأول لواء عقد في الإسلام لواء عبد الله بن جحش، وعقد لسعد بن مالك الأزدي راية على قومه سوداء، وفيها هلال أبيض، وكان لواؤه أبيض أو أصفر أو أغبر، وله راية تدعى العقاب من صوف أسود، مكتوب على رايته: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأول مغنم قسم في الإسلام مغنم عبد الله بن جحش، ومن عماله أبو دجانة الساعدي وسباع بن عرفطة عاملاه على المدينة، وكان ثلاثة أرباع عماله من بني أمية؛ لأنه إنما طلب للأعمال

18

أهل الجزاء والغناء من المسلمين، ولم يطلب أهل الاجتهاد والجهل بها والضعف عنها كما قال معاوية، واستعمل الرسول أبا سفيان بن حرب على نجران فولاه الصلاة والحرب، ووجه راشد بن عبد الله أميرا على القضاء والمظالم.

وكان الرسول كثيرا ما يقول: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.» وقال: «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة.» وجمع القرآن، أي حفظه جميعه، من الأنصار أبي ومعاذ وزيد بن ثابت وأبو قيس بن السكن، هؤلاء أهم رجال الإدارة والقضاء والفقه والقرآن.

وهناك طبقة أخرى تتولى الأعمال مثل عتاب بن أسيد الذي استعمله واليا على مكة، ورزقه كل يوم درهما فقام يخطب ويقول: أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقني رسول الله درهما كل يوم، فليست بي حاجة إلى أحد. وهذا الراتب من أول ما وضع من الرواتب للعمال، وقد يكون رزقهم ما يطعمون منه على نحو ما أجرى على قيس بن مالك الأرحبي من همذان لما استعمله على قومه، فأقطعه من ذرة نسار مائتي صاع ومن زبيب خيوان

19

مائتي صاع جار له ذلك ولعقبه من بعده أبدا أبدا أبدا، أما كبار الصحابة فكانوا يعطون ما يتبلغون به من الغنائم وغيرها، ومنهم من كان غنيا في الجاهلية والإسلام فجهز من ماله جندا في سبيل الله، بل منهم من أنفق كل ماله في هذا الغرض وهو راض مغتبط.

أقطع الرسول القطائع،

20

وكان يتألف على الإسلام، ويعطي من الصدقات من يريد تأليف قلوبهم، فدعي من يأخذون ذلك «المؤلفة قلوبهم»، وهم أحد وثلاثون رجلا من سادة العرب، تألفهم وتألف بهم قومهم، ليرغبوهم في الإسلام، ولئلا

21

تحملهم الحمية، مع ضعف نياتهم، على أن يكونوا إلبا مع الكفار على المسلمين، وما منهم إلا الشريف المسود والعالم والخطيب والشاعر والداهية الباقعة، قال صفوان بن أمية: لقد أعطاني رسول الله يوم حنين وإنه لمن أبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لمن أحب الناس إلي، وقال الرسول: «إني لأعطي قوما أتألف ظلعهم

22

وجزعهم، وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى.» وكان يعامل المسلمين بقواعد المساواة، ويفضل من الأزد الأنصار وهم الأوس والخزرج أبناء حارثة بن عمرو بن عامر، وهم أعز الناس نفسا وأشرفهم، لم يؤدوا إتاوة قط إلى أحد من الملوك.

كانت الحكمة في تأليف من قضت المصلحة بتأليفهم، أعطى كل واحد من المؤلفة قلوبهم في إحدى غزواته مائة من الإبل ومقدارا من الفضة، فلما دخل الناس في الدين أفواجا، وظهر المسلمون على جميع أهل الملل بطل العطاء للمؤلفة قلوبهم، ودخل بعضهم في خدمة الدولة وتولوا العمالات وقيادة الجيوش، ولم يبق عربي بعد واقعة حنين والطائف

23

إلا أسلم، ومنهم من قدم على الرسول ومنهم من لم يقدم، وقنع بما أتاه به وافد قومه من الدين، ولما فتحت مكة دانت العرب لقريش وعرفوا أن لا طاقة لهم بحرب الرسول ولا عداوته، جاء قيس بن نسبة السلمي فأسلم ورجع إلى قومه، فقال: يا بني سليم، قد سمعت ترجمة الروم وفارس وأسفار الرهاب والكهان ومقاول

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٩٦