تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رأينا بما قدمنا صورة من نشأة الشرع وعلوم الكلام والحديث والتصوف والفلسفة والآداب وقيام الفرق الإسلامية، وما لحق الناس والبلاد من اضطهاد وقتل وتخريب بسبب الدين، ورأينا كيف ضعف الدين منذ دهمته الزيادات الممرضات، وأن الدنيا كان شأنها كذلك منذ أصبح كل أمر يتوقف على فتوى العلماء مراعاة من السياسيين للظواهر، فكانت السخافات والترهات التي قضت على سلطان العقل، وماتت النفوس والهمم، وقعدت عن العمل الصالح، وطفئت شعلة الذكاء؛ وأبدلت بظلام دامس، وشغل الناس بأمور تافهة كان منها خراب بلادهم، وخراب عقولهم، وزهدوا في الجوهر الذي لا يقصد من العمل به إلا إنهاض النفوس، وتشبعوا بما لم ينزل به سلطان، قضوا بهذا الجمود على اللحاق بمن سبقوهم إلى فك القيود الثقيلة، وظلوا على تحجيرهم يفاخرون بالآباء والجدود.

وربما كان في المقاومين لمثل هذه المسائل من كان رائده الإخلاص في قوله وعمله، ولكن كثيرا منهم كانوا تبعا للسلطان أو تبعا لما يرضي العامة، والعلم كما يقول الراغب الأصفهاني

172

ذو منازل لكل منزلة منها حفظة كحفظة الرباطات والثغور، وقلما ينفك كل منزل منها من شرير في ذاته، وشره في مكسبه، وطالب لرياسته، وجاهل معجب بنفسه، بصير لأجل تنفيق سلعته، صارف عن المنزل الذي هو فوق منزلته من العلم وعائب له، فلهذا نرى كثيرا ممن حصل في منزلة من منازل العلم دون الغاية، عائبا لما فوقه صارفا عمن رامه، فإن قدر أن يصرف عنه الناس بشبهة مزخرفة فعل، أو ينفر الناس عنه فعل. ا.ه. وفي تاريخ الدين صورة عجيبة من هذا التهالك على الدنيا في الطبقة التي تدعي أنها أبعد الناس عن زخارفها، وليس من المبالغة أن يقال: إن من الدينيين من ليس له هم إلا أن يستأكل

173

بالدين ويضرب لصاحب القوة أبدا على الوتر الحساس فيه؛ فقد ذكر الغزالي

174

أنه بعد عهد المناظرات في الفقه وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة ترك الناس الكلام وفنون العلم، وانثالوا على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص، وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد، وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع، وتقرير علل المذاهب، وتمهيد أصول الفتاوى، وأكثروا فيها التصانيف والاستنباط، ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات، قال: فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلافيات والمناظرات لا غير، ولو مالت نفوس أرباب الدنيا إلى الخلاف مع إمام آخر من الأئمة، أو إلى علم آخر من العلوم، لمالوا أيضا معهم، ولم يسكتوا عن التعلل بأن ما اشتغلوا به هو علم الدين، وأن لا مطلب لهم سوى التقرب إلى رب العالمين.

وبعد، فمن المؤلم للنفس اليوم تذكر من قضوا ضحايا أفكارهم في بعض عصور الإسلام، فكان القضاء عليهم قضاء على الحرية، على أن ما وقع في بلاد المسلمين في غضون ألف سنة من هذه النكبات لا يعد جزءا صغيرا مما حدث في الغرب بسبب المذابح الدينية وديوان التحقيق الديني وبضغط الكنيسة على العقول وحريتها. أدى تفاعل العوامل الفكرية في الإسلام إلى ما لم تحمد مغبته فتأخر سير العلم بعض التأخر، وأخمدت جمرة التفكير الحر في بعض العصور، وكان ما جرى أشبه بحوادث أفراد دخلت العامة غمارها فهلكت أنفس وخرب عمران وتراجعت عقول، والمهم في تاريخنا أن تقلبه كل مقلب لا ندلس فيه ولا نوالس، لنتعرف الحقائق في صورتها الجلية النافعة، والتبعة فيما حدث في الإسلام تقع على صنفين: العلماء والرؤساء، ولما كان أغلب الرؤساء جهلاء كانت معظم التبعة على العلماء، وليس

175

تكليف العقلاء كتكليف الجهلاء ولا آلة الفريقين في الأفعال واحدة، ولا مؤاخذتهما بالأعمال متساوية، وكذلك قال تعالى:

إنما يخشى الله من عباده العلماء

ولو أوخذ الجاهلون كما يؤاخذ العالمون، لكان ذلك جورا في القضاء، وحيفا في الجزاء؛ لأن الله تعالى كلف كل نفس بحسب قوتها، وأخذها بما جعله في قدرتها، ولو أن أحدا غلط غلطا جاهلا لحكمه، وأخطأ خطأ خارجا عن علمه، لما تعين عليه حكم، ولا تعلق به حد، وعلى ذاك فمتى كان علم الإنسان أكثر من عقله كان حتفه في علمه، أو عقله أكثر من علمه أمكن به جبر عجزه وإتمام نقصه، وما دبر العقل شيئا إلا أقام أوده وعدل ميده،

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٩٣