أخذ الأمناء على الدين يتيهون في بيداء الفوضى العقلية، لا يرون في تأديب المبتدعة أو من سموهم كذلك، إلا تطبيق أشد مفاصل القانون عليهم، وإنزال آخر العقوبات المسطورة، ويتجافون عن سماع أقوالهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن، وادعوا لضعف فيهم أن المبتدع يحضر لكل سؤال من بدعته جوابا قلما يستطيع مجادل نقضه، ولذلك كان من الحزم أن يعامل لأول أمره بالعنف، ويعمد إلى صاحب السلطة في تأديبه، ولا يسمع له كلام ولا حوار، بل لم ير المسيطرون على الدين أن يكتب المبتدعة أو المتفلسفون كلامهم ليرد عليهم بالكتابة؛ لأن كتابتها، زعموا، تكون سببا في نشرها. فهم يرون أن يصموا آذانهم عن كل جديد، ويكتفوا بما لقفوا من العلم وقرروا من المذاهب.
وماذا يعنيهم من المقالات الجديدة، والاجتهاد في الدين موصد الأبواب، وهو محظور حتى على من بلغ رتبة عالية في العلم، واستعد للخوض في ميدان الأحكام، والرجوع إلى مصادر الشريعة ليأخذ من لبابها الأوفق للزمن والمصلحة لا ما رآه غيره، مع عدم الخروج عن قواعد الشرع، وتحت حماية مذهب مالك الذي يرى القتل ضربا من التعزير. قتل بين القرنين الثامن والثاني عشر عشرات من الأذكياء والباحثين في أوقات مختلفة في فارس والعراق والشام ومصر وإفريقية وغيرها، يتهم أكثرهم في دينهم ويسألون بضع مسيئلات إذا كان في أجوبتها بعض العهدة بحسب فهم المسيطرين، تقطع أعناقهم ويصلبون وتطهر الأرض منهم.
وبهذا الهول الأكبر انقطعت الرغبات في البحث واستعمال الفكر إلا في الدائرة المعينة الحدود والأوصاف التي قرروها، وأنشأوا يحرمون علنا بسائط علم الفلسفة كالطبيعيات والرياضيات بل والتاريخ وتقويم البلدان، فضعفت ملكة هذه العلوم على تلك النسبة، ضعف الملكات الدينية، وضعفت العقول معها، «وزاد الحق غموضا
169
وخفاء أمران: أحدهما خوف العارفين مع قلتهم من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق، مع جواز التقية بنص القرآن وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعا من إظهار الحق، ولا برح المحق عدوا لأكثر الخلق ... وكان العلم في أول الأمر يبذل من أهله لأهله مشافهة ولو سرا، وذلك أول النقص، وهو محفوظ في الصدور، فلما قل الحفظ وكتب ليحفظ، وتعذرت الصيانة وخيف العدوان من أعداء أهل الإيمان كتم بعضهم فلم يظهر علمه فازداد النقص، واتقى بعضهم فتكلم بالمعاريض الموهمة للباطل خوفا على نفسه، ورمز بعضهم فغلط عليه بما قصده في رمزه فتفاحش الجهل.»
نعم كان مما لقيه العلماء من الألاقي
170
ما وقف القرائح، وثبط الهمم، وقعد بالعزائم، وتجاهل الناقمون والمنتقمون، أن في قتل عالم قتل عالم، وأن في إرهاق العقول مدرجة إلى ظهور كل جهول، وما نفع قط الجهلاء في قيام دين أو دنيا، استسهل الضاغطون على الأفكار تشريد العلماء وتعذيبهم وسجنهم أو قتلهم بدعوى أن في عملهم ضم شمل الجماعة وإغلاق أبواب التفرقة، والقضاء على البدع والضلالات؛ وهيهات أن يجدوا عاقلا يضطلع بالدفاع عن أعمالهم اللهم إلا المأخوذ بالتقاليد الموروثة، الذي خلق ليدهن لكل من سودته مناصبه، والعلم يتطلب غير هذه السياسة الخرقاء، والعلماء يشقون ليسعدوا بعملهم الخلق، يبيتون حياتهم على مثل حسك السعدان
171
ليحلوا المشكلات والمعضلات، وينصروا الحق الذي يعرفونه، فيتجلى للأفكار نقيا ينتفع به من يعقلون، ولا سبيل إلى تأويل إهانة العلماء باسم الدين إلا بأن معظم أولياء الأمر ما كانوا يبالون بإطفاء أنوار الأفكار، فحالوا بعملهم دون ظهور النابغين، وقصروا هممهم على اصطناع المتوسطين، حجروا على العقول، فكانوا أعدى أعداء العلم الصحيح، وبدون حرية يموت العلم، وتفسد ثمرات المدارك، وكل من أبطلوا حركة البحث وشلوا الأعصاب عن الانبعاث باءوا بسبة الدهر، وكل من اتخذوا العلماء مطايا لأغراضهم، وفرحوا بتمزيق أجزاء القلوب ليسلم سلطانهم، كانوا أسقط الناس ورذالتهم في المجتمع الإسلامي. •••