تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا

اختلف الفريقان بتفسيرها، فكان الهرج والمرج. وفي سنة 323 عظم أمر الحنابلة على الناس فصاروا ينكرون المنكرات بشيء من الغلظة يدخلون بيوت القواد والعامة ليطلعوا على ما فيها من الموبقات، فهددهم الخليفة الراضي باستعمال السيوف في رقابهم والنار في منازلهم فكفوا، ووقعت فتن في بغداد بين الحنابلة وغيرهم من أرباب المذاهب فقتل عمر بن الحسن الخرتي من رجالهم.

ومن غرائب وقائع الحنابلة أن محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ (310) ألف كتابا ذكر فيه اختلاف الفقهاء ولم يذكر أحمد بن حنبل، فقيل له في ذلك، فقال: لم يكن فقيها وإنما كان محدثا، فاشتد ذلك على الحنابلة فشغبوا عليه ولما هلك منعوا من دفنه نهارا، وادعوا عليه الرفض والإلحاد، وكان علي بن عيسى الوزير يقول: والله لو سئل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه ولا فهموه.

ومن غريب أمر الحنابلة أنهم بنوا مسجدا في بغداد

166

وجعلوه طريقا إلى المشاغبة والفتنة فتظلم إلى علي بن عيسى من أمره فوقع على ظهر القصة «أحق بناء بهدم، وتعفية رسم، بناء أسس على غير تقوى من الله، فليلحق بقواعده إن شاء الله.»

ولما أبدى الإمام القشيري شعار الأشعرية في بغداد ثارت فتنة العامة (469) «وقصدت

167

الحنابلة سوق المدرسة وقتلوا جماعة وأظهروا شناعة.»

وهكذا ظلت بغداد ميدانا للتقاتل بين الشيعة والسنة والحنابلة وغيرهم من أهل المذاهب زمنا طويلا، فهلكت أنفس وخرب عمران، بل «تتابعت

168

الفتن ووقع الخراب، وما زالت الفتن والمحن متواترة إلى أن وقع بين الرافضة وأهل السنة فتنة أحرقوا من الجانب الغربي ما لا يحصى من الدور والمساكن والحوانيت وقلت المعايش وكثر الجور، وفترت الهمم عن طلب العلوم وغيرها، وكان أهلها في سعة من الأرزاق ورخص الأسعار فانتقل عنها معظمهم.» وكانت بغداد في القرن الثاني والثالث والرابع عاصمة العلم والفلسفة والأفكار فأمست في القرن الخامس والسادس والسابع بؤرة الجمود والانحطاط الفكري.

وفي سنة 835 ثارت فتنة عظيمة في دمشق بين الحنابلة والأشاعرة حتى صدر مرسوم السلطان أن لا يعترض أحد غيره في مذهبه، ومن أظهر شيئا مجمعا عليه سمع منه، والحاصل أن الحنابلة كالرافضة أظهروا شدة في اختلافاتهم مع الطوائف الأخرى حتى تراجع أمرهم من العراق والشام إلا قليلا. وأهل نجد اليوم حنابلة المذهب وهم مثال من المبالغة في إنكار المنكرات، والتحامل على بعض المذاهب الإسلامية الأخرى.

وكم من فتنة حدثت لأن قوما يتعصبون للعالم الفلاني وآخرين يحطون منه كما جرى للبخاري والرازي، وكم فتنة قام بها العوام لأنه شاع أن فلانا العالم قال كذا في فلان الذي يقدسونه. فقد توفي الصولي (336) نديم الخلفاء وأوحد العلماء بالبصرة مستترا؛ لأنه روى في حق علي بن أبي طالب حديثا، فطلبته الخاصة والعامة لتقتله فلم تقدر عليه، ومات أبو عبيدة معمر بن المثنى (211) بالبصرة وكان يرى رأي الخوارج ولم يحضر جنازته أحد من الناس حتى اكتري لها من حملها، ومثل هذا وقع لياقوت الحموي في دمشق ذكر كلاما في حق علي كان قرأه في كتب الخوارج فعدوه من النواصب المنحرفين عن أمير المؤمنين، وأراد بعض أهل دمشق قتله فهرب. ومما يذكر أنهم كثيرا ما يتنازعون الرجل، كل يدعيه كما حدث لما توفي عيسى ابن سعادة الفاسي (355) فتنازع علماء فاس فيمن يصلي عليه الفقهاء أم المحدثون، كل يدعيه ويقول: إنه أحق بالصلاة عليه.

أما في قرون الانحطاط، أي القرون الخمسة الأخيرة، فكان من خالف الجمهور ولو في مسألة صغيرة عرضة للقتل إذا لم يكن له أحد يحميه في قصر الملك أو الأمير؛ لأن القوم أصبحوا ونفوسهم لا تشتفي ممن يخالفهم في معتقد أو فكر إلا أن يضرب عنقه، بل أصبح الحديثي ينظر إلى الفقيهي، والشافعي إلى الحنبلي، والفروعي إلى الأصولي نظرا شزرا، وبدأ ذلك منذ انسحب القراء عن صفوف الفقهاء والمحدثين، ثم ابتعد الصوفية عن الفقهاء، ثم عرف أهل كل مذهب مذهبهم وثبتوا عليه في القرن الثامن؛ لأنهم قاتلوا دونه في بعض البلاد، وأصبحوا كلما نبت نابت من الرجال يقول بمقالة تخالف من بعض الوجوه مذاهب السياسة يقتل على مذهب مالك؛ فقد ذهب مالك ومن وافقه من أصحاب الشافعي إلى قتل الداعية إلى البدع، وذهبت طائفة من أصحاب أحمد إلى جواز قتل الجاسوس، وكان الخليفة قد يحتاج إلى قتل أمثالهم؛ لأن حكمه شريعة يجب تنفيذها في نظره، فلما ضعف الملوك لم يجدوا أحسن من العمل برأي مالك في قتل كل من خالف في مسائل؛ إذ لا توبة له، والدين يقول: إن المولى يقبل توبة التائبين.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٩١