164
والنصارى، وتوصلوا إلى حبس ابن تيمية سنين طويلة في الإسكندرية والقاهرة ودمشق ولم يخرجوه من محبسه إلا إلى قبره، ونكبوا ابن القيم تلميذه وحبسوه آخر مرة مع شيخه في حجرة منفردة. ومن الغريب أن يعقد في القاهرة لابن تيمية مجلس حاكموه فيه على اعتقاده واعتقلوه بعدها في جب يوسف هو وأخوته وأن يكتب السلطان إلى دمشق أنه رسم أن من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل ماله ودمه!
وما زالت العصبيات تقع بين أهل ساوة، وسكانها سنة، وأهل آوة، وسكانها شيعة؛ أوائل القرن السابع، ومنشأ الخراب في أصفهان إلى هذا العهد أيضا وقبله، وكثرت الفتن والتعصب بين الشافعية والحنفية، وكلما ظهرت طائفة نهبت محلة الأخرى وأحرقتها وأخربتها، ولقد كانت الغلبة للحنفية في القرن الخامس ببلاد فارس ومنها ما كثرت حنابلته، ومنها ما كانت شيعته غالية يحبون معاوية، ومنها ما تغلب فيه أصحاب الحديث وأكثر إقليم خوزستان معتزلة، والفتن على الدين في الجبال متصلة، وكان للخوارج بسجستان ونواحي هراة وللمعتزلة بنيسابور ظهور بلا غلبة وللشيعة والكرامية بها جلبة، وفي تلك الديار شافعية وحنفية وبرساتيق هيطل أقوام يقال لهم بيض الثياب مذاهبهم تقارب الزندقة، وأقوام على مذهب عبد الله السرخسي لهم زهد وتقرب، وأكثر أهل ترمذ جهمية وأهل الرقة شيعة وأهل كندر قدرية.
ثارت فتن كثيرة في بغداد بين الحنابلة وغيرهم، وبين السنة والشيعة خربت بها بعض أحياء بغداد غير مرة؛ فقد هاجت في سنة 398 فتنة هائلة بين أهل السنة والرافضة واقتتلوا وقتل جماعة. وفي سنة 408 كانت الفتنة الكبرى فيها بين أهل السنة والشيعة وقتل طائفة منهما واستتاب القادر جماعة من الرفض والاعتزال وأخذ خطوطهم بالتوبة، وبعث إلى محمود بن سبكتكين صاحب خراسان يأمره بنشر مذهب أهل السنة وقتل جماعة، ونفي خلق من الإسماعيلية والرافضة والمعتزلة والمجسمة، وأمر بلعنهم على المنابر بعد أن عجزت الشرطة عنهم وأطلقت النيران في الشوارع. وفي سنة 422 هاجت الفتنة بين السنة والشيعة في بغداد فنهبت وأحرقت، ومن جملة ما أحرق أربعة أسواق وثاروا بالسلطان فأرضاهم الخليفة المقتدر بالعطاء.
وفي سنة 443 عاد السنة والرافضة إلى أشد مما كانوا في بغداد، وقتل جماعة ونبشت قبور الرافضة وأحرقوا عظام رجالهم وقتلوا هم أناسا من علماء السنة، وكتبوا على الأبراج «محمد وعلي خير البشر فمن أبى فقد كفر»، ووقع التقبيح على الرافضة وأحرقت كتبهم في بغداد لسبهم الصحابة، ومنهم من قتل كما وقع في سنة 574 فإنه وقع فيها ما لم يتهيأ منذ نحو مائتين وخمسين سنة، كما قال المؤرخون.
هذه أمثلة مما وقع بين السنة والشيعة في فارس والعراق وما وقع بينهم في مصر وإفريقية على عهد الفاطميين، وكان الشيعة في الشام أكثرية في القرن السادس ثم قلوا لما قضى صلاح الدين على دولة الفاطميين بمصر. ولما قطعت خطبة العاضد الفاطمي
165
بمصر استطال أهل السنة على الإسماعيلية وتتبعوهم وأذلوهم وصاروا لا يقدرون على الظهور من دورهم، وإذا وجد أحد من الأتراك مصريا أخذ ثيابه وعظمت الأذية بذلك، وجلا أكثر أهل مصر عنها إلى البلاد، وأخذ الناس بمذهب السلطان، إن كان شافعيا زاد الشافعية، وإن كان حنفيا أقبل القوم على المذهب الحنفي. وهكذا كانت الحال في كثير من الأقطار يتظاهر الناس بمذهب القائم بالأمر فيهم، فإذا تولى رقابهم من يخالفه في رأيه انقلب الناس معه، كما وقع في مصر مع الدولة الفاطمية، فإنها طبعت الأذهان بطابعها، فلما انقرضت دولتهم عاد التسنن إلى ما كان عليه.
وقعت في بغداد فتن كثيرة بين الحنابلة وغيرهم من أهل المذاهب الأخرى، وكان الحنابلة فيها يتشددون على خصومهم، ويقابلونهم بالعنف، ومنها فتنة عظيمة بين الحنابلة وخصومهم قتل فيها خلق كثير من الجند والعامة بسبب تفسير قوله تعالى: