ووقع لسيف الدين الآمدي أحد أذكياء العالم من أهل المائة السادسة أن حسده جماعة من فقهاء مصر، ونسبوه إلى فساد العقيدة والتعطيل ومذهب الفلاسفة، فهرب واستوطن حماة في الشام فنجا من العطب بالهرب، وتتبع أعداء لسان الدين ابن الخطيب، رجل الأندلس علما وفصاحة، كلمات زعموا أنها صدرت منه في بعض تآليفه، فأحصوا عليه ورفعوها إلى قاضي غرناطة فسجل عليه بالزندقة، ثم أخذ وأحضروه في مجلس الخاصة وأهل الشورى من الفقهاء وعظم عليه النكير فيما كتب، فوبخ ونكل وامتحن بالعذاب، وأفتى بعض الفقهاء بقتله ثم طرقوا عليه السجن فخنقوه وأخرجوا شلوه
161
وأحرقوه.
كان الانتقام من العلماء يتم على أيدي الخلفاء والسلاطين، فلما جاء ملوك الطوائف وضعف العباسيون وأصبح لكل قطر ملك أو أمير غدا الانتقام من أرباب الأفكار محصورا في العامة أو من كان على مثالهم من العلماء، وكثرت مجالس المناظرات
162
بين الفقهاء حتى لا تكاد تخلو مدينة كبيرة من عقد المجالس بين كثيرين من علمائها، ولا سيما في العراق وخراسان، تعقد أمام الوزراء ممن كانوا بالأمس يميلون إلى الفقه لاحتياجهم إليه في الحكومات، ثم صاروا يميلون إلى استماع مقالات الناس في قواعد العقائد، ومالوا إلى سماع الحجج فيها، فأفضت إلى فتح باب العصبيات الفاحشة والخصومات المفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد وأصبح الكبراء يميلون إلى المناظرات لبيان الأولى من مذاهب السنة، فنجمت من هذا الانكباب على المسائل الخلافية فتن أفضت إلى قتل النفوس بالألوف، وإلى خراب مدن برمتها، خربت بأيدي أناس كان مشايخهم يتفاخرون بالمناظرات والخلافيات، يوقدون نار الفتنة بين أتباعهم وخصومهم، وينال بعضهم من بعض بالنميمة والحسد والرياء والختل مما نهى عنه الشرع.
ومن هذه الفتن فتنة نشبت بنيسابور عاصمة خراسان بين الحنفية والشيعة، وأمر السلطان بأن تلعن المبتدعة على المنابر، وحسن له بعضهم فيما قيل: الإزراء بمذهب الشافعي وبالأشعرية، وأدى التصريح بلعن أهل السنة في الجمع، وتوظيف سبهم على المنابر ونفي بعض الشافعية، وهاجر من تلك البلاد أربعمائة قاض من قضاة الشافعية والحنفية، وشمل الضرر من ذلك خراسان والشام والحجاز والعراق. وكانت تقع في سجستان
163
وسرخس عصبيات بين الشيعة والكرامية في نيسابور، وبهراة بين العملية والكرامية، وخربت الري بسبب هذه المنافسات بين الفقهاء، وكان فيها شافعية وحنفية وشيعة وتطاولت بينهم الحروب حتى لم يتركوا من الشيعة من يعرف، فلما أفنوهم وقعت العصبية بين الشافعية والحنفية فنشبت بينهم حروب، واشتد التطاحن بين الطوائف الإسلامية، بل بين أرباب مذاهب السنة، وكل فريق منهم يتهم خصمه أنه حشوي ليس على شيء من العلم. قال السبكي: وكثرت مذاهب الحشوية، وهم فريقان: فريق لا يتحاشى في إظهار الحشو، ويحسبون أنهم على شيء، وفريق يتستر بمذهب السلف لسحت يأكله أو حطام يأخذه أو هوى يجمع عليه الطغام الجهلة والرعاع السفلة. وفي هذا الفريق من يكذب على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ويزعم أنهم يقولون بمقالته، يتستر بالسلف حفظا لرياسته، والحطام الذي يجتلبه، ويتحلى بالرياء والتقشف زاهدا في الذرة ليحصل الدرة، وأظهروا للناس نسكا وعلى المنقوش داروا. ومذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه، والمبتدعة تزعم أنها على مذهب السلف. ا.ه.
ولعل السبكي يقصد من قوله هذا مذهب الحنابلة وكان ابن تيمية منهم، وعليه اشتد المشايخ بنو السبكي في القرن الثامن مستعينين بما لهم من النفوذ في دواوين الدولة في مصر والشام فعاملوا هذا المصلح معاملة جائرة هو وتلميذه ابن قيم الجوزية ليقضوا عليه وعلى تعاليمه التي ما خرجت عن الكتاب والسنة والرد على المتكلمين والفلاسفة والمتصوفة والرافضة