19
عليهم إحسانهم، وهل عهدت مثل هذه المسامحة في بعض ممالك الغرب إلا بعد حروب طويلة وثورات مستديمة، ومجازر بشرية فظيعة؟ وذلك في العصر الأخير فقط.
لما أراد المأمون تدوين العلوم في بغداد استدعى ثلاثمائة عالم من أهل كل دين وجنس، وحظر عليهم في اجتماعهم مسلمهم وغير مسلمهم أن لا يستشهدوا بآي القرآن والإنجيل والتوراة وأن لا يتعرضوا للأديان في مباحثهم، وقد وضع أبوه هرون الرشيد من قبله جميع المدارس تحت مراقبة يوحنا بن ماسويه، وكانت إدارة المدارس في بلاد العباسيين مفوضة إلى النسطوريين تارة وإلى اليهود أخرى، وجامعات قرطبة وغرناطة وغيرهما من المدن الكبرى في الأندلس كانت تدار في الغالب بأيدي اليهود على ما قال درابر، ولما خربت بغداد في القرن الرابع أمر عضد الدولة ابن بويه وزيره نصر بن هرون وكان نصرانيا بعمارة البيع والديرة وإطلاق الأموال لفقرائهم، فماذا يقول الشعوبيون بعد هذا من الباطل ليدحضوا به الحق؟ وهل من العدل في شيء أن يعتز الشعوبيون بقوة الغرب المادية؟ فيحطوا من قدر مدنية استغربوا كيف حملها الأجداد على ما يظهر.
نشرت في العهد الأخير عدة كتب بلغات الأمم الكبرى في الغرب في موضوع الأديان البشرية، فغمز أكثرها الإسلام من طرف خفي أو جلي، فعجبنا كيف لم يرق البشر بمدنية القرن العشرين، ومن الغريب أن يكتب أبو الريحان البيروني في أديان الهند في القرن الخامس من الهجرة، ولا يمس عاطفة أحد من أهلها، كأنه إذا كتب في نحلة يوهمك أنه هو أحد أبناء تلك النحلة لتلطفه في وصف شعائرها، ويكتب علماء اليوم وينحون على من لا يدين بدينهم، ويمجدون دين السواد الأعظم وحده، إن مدنية هذا القرن لم تصف النفوس من الشوائب، فإذا ذكر حتى العظيم من المسلمين ذكر على الأغلب بتقزز ممقوت، وكراهية بادية، أما إذا كان الكلام في مجموع الأمة الإسلامية فإن تصويرهم لها يصدر من تصوراتهم وأوهامهم.
رأينا كتاب العرب أيام قوتهم يذكرون جميع المخالفين لهم بكل حرمة، وفي كتاب طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، وفي طبقات الحكماء لابن القفطي، وفي طبقات الأدباء لياقوت، وفي الوافي بالوفيات للصفدي، وفي تاريخ حكماء الإسلام للبيهقي، وفي الجامع المختصر لابن الساعي مثال ظاهر من هذه المسامحة المحمودة، فقد ترجم هؤلاء المؤلفون للمسلم كما ترجموا للصابي واليهودي والسامري والمجوسي واليعقوبي وغيرهم كأنهم أبناء ملة واحدة، ونحن في هذا القرن وهو سيد القرون بتسامحه نرى الكاثوليكي إذا ترجم للبرتستانتي، أنحى عليه وثلمه والعكس بالعكس، وهما في الحقيقة أبناء نبعة واحدة، وكتاب واحد.
شعوبيان مخرفان شامي ومصري
ومن هؤلاء الشعوبيين في الشام هزاء خيالي، دعا الشاميين في جملة الآراء التي جاهر بها إلى أن تصفوا نياتهم فينسوا الأجداد الذين يشيدون أبدا بمفاخرهم، وينسوا الدول الإسلامية التي يتغنون على الدوام بمجدها، وما عهدنا عاقلا يدعو أمة إلى تناسي تاريخها، بل رأينا كل أمة تدرس تاريخها، مهما كان من اسوداد صفحاته؛ لأنه مهمازها إلى العمل، وتتمة ما بدأ به أجدادها: تتوقى شرهم وتقتبس خيرهم، ورأينا من الأمم كبعض جمهوريات أميركا الجنوبية من يصطنع لأمته تاريخا تتغنى به فيعينها على نهوضها، وأنت لو أردت هذا المتفلسف أن يأتيك برجل يصح لنا أن ننسج على منواله لعجز واكتفى بأن قال لك: إن الإسلام لم يأت فيه رجل يذكر، ولاختلق الأكاذيب على من أجمعت الأمة بل الأمم على صلاحه أمثال صلاح الدين يوسف، ولشوقي في هذا المعنى:
مثل القوم نسوا تاريخهم
كلقيط عي في الناس انتسابا
أو كمغلوب على ذاكرة
يشتكي من صلة الماضي انقضابا
ومن هؤلاء الشعوبيين في مصر رجل، يزعم أن الإسلام دين بدوي يتسم بكراهة الترف، وبشدة الإيمان بالوحدانية، وأن الوهابيين اليوم يمثلون روحه أصدق تمثيل، وأن العرب تقيدوا لأول أمرهم بالقرآن، فلم ينقلوا شيئا من الأدب الإغريقي، ثم كان الروح البدوي سائدا أيضا، فقوطعت الفنون الجميلة؛ لأن البدوي يكره بطبيعته جميع ضروب الترف والحضارة، وهو نفسه يعيش في صحراء لا يحتاج معها إلى فنون الحضارة من عمارة وتصوير ونقش؛ ولذلك حرم التصوير كما حرم صناعة التماثيل، وصار الغناء والموسيقى يتلهى بهما السكارى، وأن من الرسم تستفيد الأمة رأيها وذوقها في الجمال، ومن الدرامة تكتسب سليقة النقد الاجتماعي، فتبقى جذوة الإصلاح حية متقدة، وتنزع الأمة نزعة رقي وتقدم، وأن تعصبنا للشرق تعصب للقديم أكثر مما هو للشرق، نستمسك بالشرق لكي نتعلل به في كراهة الغرب، ونستمسك بالقديم كبرياء وأنفة من أن يقال: إن حضارتنا قد أفلست أمام حضارة أوروبا.