تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: وليس علينا للعرب أي ولاء وإدمان الدرس لثقافتهم مضعف للشباب ومبعثر لقواهم، فيجب أن نعودهم الكتابة بالأسلوب المصري الحديث، لا بالأسلوب العربي القديم، ويجب أن يعرفوا أننا أرقى من العرب، وأن ندرس العربية الفصحى كما ندرس الأشورية والبابلية، وأن ننظر إلى لغة النابغة والمتنبي كما ننظر إلى اللغة الروسية أو الإيطالية، وأن العربية ليست لغتنا ولا نستفيد منها، وأن لنا من العرب ألفاظهم فقط لا لغتهم بل بعض ألفاظهم، قال: وكل من اختبر هذه اللغة يعرف أن قاسم أمين ولطفي السيد كانا على حق عندما نصحا باستعمال العامية المصرية بدلا منها، وقال: إن الرابطة الشرقية سخافة والرابطة الدينية وقاحة، وأن الرابطة الحقيقية أن نفنى في مدنية أوروبا، ونتطور بأطوارها، ونتزوج من بناتها، ونزوجهم بناتنا، ونأخذ عنهم كل شيء، وأن الأصلح لمصر إذا أرادت التخلص من آسيا والشرق والتاريخ العربي، أن تعود إلى وطنية فرعونية مقصورة على مصر وتاريخ مصر، ودرس مدنية الفراعنة أفيد من درس العرب، وأن تدرس آثار العرب والفراعنة كما تدرس الفينيقية، وقال: إن من تأمل أحوال الأمم الناهضة يعرف أنه ليست أمة تنهض في العالم الآن إلا وتنسلخ من قديمها سواء أكان هذا القديم آسيويا أم غير آسيوي، هذه خلاصة آراء المتفلسف الشعوبي ولو أردناه وصاحبه معا أن ينزل عن مشخصاته ومقدساته التي يتظاهر بالبعد عنها وهي أعلق بقلبه من شعرات قصه

20

لاستكبر وأبى.

يتقدم الشعوبي المصري إلى السواد الأعظم باسم الناصح، أن ينزل عن دينه؛ لأنه دين لا يقبل الرفاهية، ويتجاهل ما تم للعرب من هذا القبيل، مما ملئت به بطون الأسفار، وينكر عناية العرب بالفنون الجميلة؛ لأن العرب في صحرائهم لا يحتاجون إليها، وفاته أن العرب ليسوا كلهم سكان بادية، والفرق ظاهر بين العرب والأعراب، وأن العرب في أقصى جاهليتهم كانوا قسمين بادية وحضرا، وأن البوادي لم تعمل الحضارة العربية في دمشق وبغداد والفسطاط وقرطبة وغرناطة والقيروان، بل عملها أهل الحضر من العرب، وما قصروا في كل فنونها بحسب ما ساعدهم عصرهم ومعتقدهم، وإذا خلت مدنية العرب من «الدرامة» لبث روح النقد في اجتماعها، فما خلت كل عصر من كتاب مجودين نقدوا كل شيء فيها بدون عصبية ولا عنجهية.

أما قوله أن يرجع العرب عن تاريخهم، ويتركوا آسيا ويلتحقوا بأهل أوروبا في كل مظاهرهم فهو السخف بعينه، وما عهدت أمة تسير على هذا الطريق حتى ولا اليابان التي استشهد بتلقفها الحضارة الأوربية، فإنها بقيت على وثنيتها، محتفظة بتقاليدها، وأخذت عن أوروبا أصولها في مادياتها فقط، وكذلك يقال في دعوة العرب إلى ترك لغتهم والاعتماد على اللغة العامية، كأن ما حفظه هو لم يحفظه العرب: هو يريد أن يمزق شمل العرب، ويأتي على رابطتهم اللسانية فيحلها جملة واحدة كما انحلت رابطتهم السياسية، ولغة القرآن هي التي حمتهم كل هذه المدة على كثرة ما لاقوا من عنت الدول الشرقية الإسلامية، ومن عنت الدول الغربية النصرانية، هو يستشهد برجلين يقولان بزعمه هذا القول في إحلال العامية بدل الفصحى، وهما قد كتبا تآليفهما بالعربية الفصحى، ولو كتباها بلغة العوام لكان مصيرها الدفن ساعة تولد، وهذا مثل ما ادعاه أحد فضلائنا

21

من أن جمال الدين الأفغاني قال له: إن العرب لو وفقوا إلى نقل الإلياذة لهوميروس إلى لغتهم لكانوا أحسنوا أكثر من كل ما نقلوه من كتب العلم والفلسفة والصنائع، وما نخال ذلك القول إلا مدسوسا عليه.

يقول المازني:

22

إن العامية ينقصها الضبط والإحكام وهي ليست لغة واحدة حتى في مصر، بل لهجات شتى تختلف وتتقارب وتتباعد، تبعا للإقليم وسكانه وأحوالهم حاضرها وباديها، وليس لها ثبات واستقرار على حال، وأراها مع انتشار التعليم واتساع العلم بالفصحى ترتفع إليها وتدنو منها، وقد صار المتعلمون يتكلمون عامية هي أقرب إلى العربية وأشبه بها، ولا يكاد ينقصها إلا حركات الإعراب، ومن الحمق، ولا شك، أن يؤثر أحدنا عامية لا قواعد لها ولا أصول ولا أحكام ولا تاريخ ولا ثبات، وأحمق الحمق أن تجري وراء لغة تفر منك إلى ما تفر أنت منه. ا.ه.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٠