مثال آخر: لما
10
جمع هرقل صاحب الروم جموعه للمسلمين ردوا على أهل حمص من الروم ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم، فقال أهل حمص: لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم، ونهض اليهود فقالوا: والتوراة لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص إلا أن نغلب ونجهد.
مثال ثالث: مر عمر بن الخطاب بباب قوم وعليه سائل يسأل، شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه، وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى، قال: أسأله الجزية والحاجة والسن، قال: فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله، فرضخ
11
له بشيء مما في المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال: أنظر هذا وضرباءه،
12
فوالله ما أنصفناه، أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم
إنما الصدقات للفقراء والمساكين ، والفقراء هم المسلمون وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه.
خذ لك مثلا آخر من هذا التسامح الشريف: كتب الإمام الأوزاعي
13
إلى صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، لما قتل مقاتلة أهل لبنان، وأجلى بعضهم لما خرجوا على الخليفة: «وقد كان من إجلاء أهل الذمة من جبل لبنان ممن لم يكن ممالئا لمن خرج على خروجه، ممن قتلت بعضهم، ورددت باقيهم إلى قراهم ما قد علمت، فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم، وحكم الله تعالى أن لا تزر وازرة وزر أخرى، وهو أحق ما وقف عنده واقتدى به، وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله
صلى الله عليه وسلم
فإنه قال: من ظلم معاهدا وكلفه فوق طاقته فأنا حجيجه.»
14
قال الجاحظ في معرض كلامه على أن المسلمين كانوا أعطف على النصارى من اليهود: إنهم نافسوا المسلمين في لباسهم ومركوبهم وألعابهم، وتسموا بالحسن والحسين والعباس والفضل وعلي واكتنوا بذلك أجمع ... فرغب إليهم المسلمون وترك كثير منهم عقد الزنانير، وعقدها آخرون دون ثيابهم، وامتنع كثير من كبرائهم من إعطاء الجزية، وأنفوا مع اقتدارهم من دفعها، وسبوا من سبهم، وضربوا من ضربهم، وما لهم لا يفعلون ذلك وأكثر منه، وقضاتنا وعامتهم يرون أن دم الجاثليق
15
والمطران والأسقف وفاء
16
بدم جعفر وعلي والعباس وحمزة، قال: وكان منهم كتاب السلاطين وفراشو الملوك وأطباء الأشراف، ولم يكن اليهودي إلا صباغا أو دباغا أو حجاما أو قصابا أو شعابا.
17
وإذا كان الشعوبيون يشكون متعنتين في هذه الأخبار الصحيحة من مسامحة المسلمين في معظم أدوار عزهم، مع أنه لم يعهد لأمة فيما نحسب أن دونت أيام سعادتها ما لها وما عليها، بمثل هذا التدقيق الذي اشتهر به علماء العرب، فما قولهم فيما كتبه عالم معاصر
18
من جامعة الجزائر؟ قال: «لقد ثبت أن الفاتحين من العرب كانوا على غاية من فضيلة المسامحة لم تكن تتوقع من أناس يحملون دينا جديدا ... وما فكر العربي قط في أشد أدوار تحمسه لدينه الجديد، أن يطفئ بالدماء دينا منافسا لدينه، وقد جاءنا العالم ميز في باب التسامح الإسلامي بتفاصيل أشد غرابة من هذه قال: إن من أعظم بواعث الاستغراب كثرة عدد غير المسلمين من رجال الأمر في الدول الإسلامية، وقد شوهد المسلم في بلاده يحكم عليه النصارى، وحدث مرتين في القرن الثالث للهجرة، أن كان من النصارى وزراء حرب، وكان على القواد حماة الدين أن يقبلوا أيدي الوزير، وينفذوا أمره، هذا والدواوين غاصة بالكتاب من النصارى.»
هكذا عامل المسلمون أهل ذمتهم وهكذا عاملهم الخلفاء من الراشدين والأمويين والعباسيين، بل الخلفاء والأمراء في كل أرض انتصب عليها علم التوحيد، وكان الخلفاء بل من اشتهر منهم بتعصبه الديني يبوحون لأبناء الذمة بأسرارهم، ويطلعونهم على خويصة أنفسهم، ويوسدون إليهم مهمات أمورهم، ويأتمنونهم على حرمهم وأرواحهم، ويرفعون منازلهم، ويغدقون