اتهم محمد بن مسرة القرطبي (319) بالزندقة
157
لما ظهر من كلامه بالوعد والوعيد ولخروجه عن العلوم المعلومة بأرض الأندلس الجارية على مذهب التقليد والتسليم، ففر إلى المشرق، ولحقت ابن الإقليلي الأندلسي تهمة في دينه في أيام هشام المرواني في جملة من تتبع من الأطباء في وقته كابن عاصم والسنابسي والخمار وغيرهم وطلب ابن الإقليلي وسجن بالمطبق.
وامتحن حكم بن محمد المقري القيرواني مع أبي عبد الله الشيعي فسجنه من أجل صلابة كانت فيه في السنة، وإنكار شديد على أهل البدع، ولما غلب عبد الواحد ابن علي على المغرب ألزم العلماء الاجتهاد وترك التقليد لما رآهم انغمسوا فيه فأحرق كتب الفروع كلها، وأمر بوضع كتب أحاديث الأحكام، وكذلك فعل حفيده أبو يوسف يعقوب سنة 595 فأمر بإحراق كتب الفروع، وكان يقصد بذلك محو مذهب مالك من المغرب، وحمل الناس على الظاهر من الكتاب والسنة. هذا، والاجتهاد المطلق لم يوجد كما قال النووي من لدن القرن الرابع، وإنما هم أهل الاجتهاد المقيد، وهم مجتهدو المذاهب الذين لهم قوة على استنباط المسائل من الكتاب والسنة وبقية الأصول، ولكنهم مقيدون بقواعد مذهب إمامهم.
وتمالأ الفقهاء على ابن حزم الأندلسي
158 (456)؛ لأنه ترك مذهب الشافعي إلى مذهب داود الظاهري وأجمعوا على تضليله وسعوا به حتى أحرقت كتبه ومزقت علانية في إشبيلية، ووقع مثل ذلك لكتب الفيلسوف ابن رشد فمزقوها وأحرقوها في ساحات بعض المدن من الأندلس. ونفى المنصور بن أبي عامر من ملوك الأندلس الفلاسفة ومن جملتهم ابن رشد وأبو جعفر الذهبي وأبو عبد الله قاضي بجاية وغيرهم، وأحرق كتب المنطق والحكمة في بلاده، وشدد النكير على المشتغلين بها، وفوض ذلك إلى وزيره ابن زهر الفيلسوف لئلا يظهر ما عنده من كتب المنطق والحكمة، ولا ينقل أنه يشتغل بها ولا يناله مكروه بسببها، وقتل المنصور بن حبيب في إشبيلية بسبب الفلسفة وترك ابن زهر الفيلسوف، وقطع الطريق على الناس في النيل منه؛ لأنه كان عنه راضيا يندر تصرف مثله في تدبير مملكته.
وأوذي أبو بكر بن عربي؛ لأنه التزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأخذت كتبه وماله وصرف عن القضاء، وجرت محنة على أبي بكر الجياني الأندلسي (596) وشي به للمنصور بن عبد المؤمن أنه لزم ترك التقليد والعمل بالحديث. وأوقعت الحيطة في أيام الناصر العباسي على الركن عبد السلام بن عبد القادر الجيلي؛ لأنه قرأ علوم الأوائل وأجادها واقتنى كتبا كثيرة في هذا الفرع، فاتهم بأنه معطل وأنه يرجع إلى أقوال أهل الفلسفة، فصدر الأمر بإحراق كتبه في إحدى ساحات دار السلام، وخطبوا خطبة لعنوا فيها الفلاسفة ومن يقول بقولهم، واجتمع قواد عسكر أحمد خان صاحب سمرقند وقبضوا عليه بسبب زندقته ولما قبضوه أحضروا الفقهاء والقضاة وأقاموا خصوما ادعوا عليه الزندقة فجحد فشهد عليه جماعة بذلك وأفتى الفقهاء بقتله فخنقوه (488). ولزم محمد بن أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن الوليد أبو علي المتكلم من رؤساء المعتزلة (487) بيته خمسين سنة لم يقدر على أن يخرج منه من عامة بغداد.
ونجا عمر الخيام الفيلسوف الشاعر النيسابوري من أهل المائة السادسة من اضطهاد العامة والملوك بشيء من التقية «ولما
159
قدح أهل زمانه في دينه، وأظهروا ما أسره من مكنونه، خشي على دمه، وأمسك من عنان لسانه وقلمه، وحج متاقاة لا تقية.» ووقف المستنجد العباسي على حكايات أخذها ابن حمدون صاحب التذكرة من التواريخ توهم في الدولة غضاضة، فأخذ من دست منصبه وحبس (608)، وقتل الظاهر غازي الحكيم الشهاب السهروردي، وكان ناقش علماء حلب فبذهم فشكوه إلى صلاح الدين فأمر ابنه بقتله
160
مع حرص الظاهر على إنقاذه، وغريب كيف نجا مثل أبي العلاء المعري على ما بدر في شعره ونثره من فلتات ينكرها فريق المتعصبين، ولعل الأصل في نجاته كونه زاهدا حقيقة، لا ينازع أرباب المذاهب الدينية في شيء من دنياهم، أو كما قال له أحدهم فغضب من قوله: إنه ترك لهم دينهم ودنياهم.