ومع هذا فقد لحق الاضطهاد بالفقهاء قليلا؛ لأنهم كانوا متصلين بأصحاب السلطان، وسهل عليهم تغيير مذهبهم خصوصا إذا كانوا من أهل السنة، حتى لا يستهدفوا لغضب السلطان أو يحرموا مناصب القضاء والفتيا وغيرها من المناصب الدينية كالحسبة والإمامة. ونال الاضطهاد الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم من أرباب البحث والنظر، والمحرك الأعظم في كل ما يعامل به العلماء سياسة الملوك، وما يخطر ببالهم وينطبق مع رغائبهم ورغائب الحافين بهم. والعامة أداة تحركها يد الملوك من حيث يدرون ولا يدرون، قال ابن أبي جواد بخلق القرآن في إفريقية فاشتد سحنون عليه وضرب حتى مات تحت السياط، ولما ولي محمد بن عبدون القضاء بعد موت سحنون بالقيروان ضرب طائفة من أهل العلم
154
من أصحاب سحنون، وطيف بهم على الجمال بغضا منه في مذهب مالك وأصحابه ومنهم أبو إسحاق بن المضا وأبو زيد ابن المديني فماتا على الجمال، ومنهم أحمد بن معتب وابن مفرج، وكان ابن عبدون حنفيا ولو ساعده أمير البلاد على ما يريده لملأ من العلماء مقبرة كبيرة.
وضرب
155
ابن البرذون «إبراهيم بن محمد الضبي» خمسمائة سوط ودارت عليه دائرة ثم دارت عليه دائرة أخرى فضم إلى السجن هو ورجل كان يعرف بابن هذيل فخرج فيهما التوقيع في إفريقية أن يضرب ابن هذيل خمسمائة سوط وأن تخبط رقبة إبراهيم بن البرذون ليلا فضربه العامل العدة المذكورة ثم أعاده إلى السجن، ثم أخرج ابن هذيل فضرب رقبته، ثم انتبه للغلط فأخرج إبراهيم فضرب رقبته، ثم ربطت أرجلهما بالحبال وجرا مكشوفين غير مستورين من دار الإمارة، ثم صلبا ثلاثة أيام، وكان ذلك في زمن أبي عبد الله الشيعي، وضرب أيضا أبو العباس بن السندي وعذب وأخذت نعمته.
ودارت دوائر على ناس كثير في إفريقية من قتل وضرب إلا أنهم ليسوا
156
من العلماء كدائرة ابن عروس في خلع لسانه وابن معتب في ضرب ظهره، وأشياء كثيرة في هذا الباب من جهة ترك «حي على خير العمل» في الأذان وترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الفريضة. وضرب أبو العباس بن التستري الشافعي زمن العبيديين في إفريقية وعذب وأخذ ماله، وضرب أبو القاسم مولى مهرويه وعلي السدري من أهل الخير والعبادة سنة 308 بالمهدية، ثم قتلا وصلبا بكلام حفظ عليهما في السلطان، وضرب أبو القاسم الطوري صاحب المظالم في الجامع على رءوس الأشهاد، وفعلوا ذلك بجماعة من رجال المدنيين ممن لم يكن لهم اسم في العلماء دخلوا في جملتهم بالمحبة والصحبة. ومثل ذلك وقع للعلماء والقضاة في إفريقية كابن عتاب وابن القطان والعبيدي، ودارت من ابن عبدون دائرة على رجال المدنيين فضربهم ونكل بهم وطوف بعضهم وضربوا البهلول بن راشد، وكان أخذ عن مالك وسفيان وغيرهما، ولما مات البهلول بن عمر التجيبي وحملت جنازته رمي نعشه بالحجارة وقال الناس: الوادي الوادي، أي ألقوه في الوادي؛ لأنه كان على ما يقال يقول بخلق القرآن، وهو ممن سمع مالكا والليث وابن لهيعة وغيرهم.
ويقول محمد عبده: إن الأمراء لما أمعنوا في الفتك بالصوفية بإغراء الفقهاء، كان الصوفية يعقدون اجتماعات سرية للبحث في كف الأذى عنهم، ويقررون فيها ما يتفقون عليه، ثم يسعون لتنفيذه بالوسائل الكسبية، وقد يكون منه قتل بعض خصومهم، فهذا أصل ما يسمى التصرف في الأكوان، وليس تصرفا بالكرامات، ولا بخوارق العادات، قلنا فالمتصوفة إذا أشبهوا في إطالة الأيدي بالقتل جماعة الإسماعيلية، فقد مضى عليهم زمن طويل يقتلون الملوك والخلفاء ويوقعون بالعلماء حتى خافهم الناس، وكم من عظيم قتلوه وكم من عالم مسلم أباحوا دمه، وقيل: إنه قتل في يوم واحد في القاهرة خمسمائة صوفي، وزعم بعض المعاصرين أن فقهاء السنة وحكامهم ما عاملوا المتصوفة بأشد مما عاملوا سائر الفرق فحكموا ببدعة بعضهم وكفروا كثيرا من أكابر شيوخهم وقتلوا منهم خلقا كثيرا، ثم غلوا بعد ذلك في تعظيمهم والتسليم الأعمى لهم غلوا كبيرا، وإن اضطهادهم للمتصوفة كان أشد من اضطهادهم للفلسفة، وما ذلك إلا لأن علم التصوف القريب من فهم الفقهاء أمس بالدين، بل هو ثمرة التمسك بفضائل الدين وآدابه.