145
أحضر في سنة 380 جماعة الفقهاء وأهل الفتيا وأخرج لهم كتاب فقه عمله، وقال: هذا عن مولانا الإمام العزيز بالله عليه السلام عن آبائه الكرام، وقرأ عليهم رسالته وبعض كتاب الطهارة، وهذا الكتاب يعرف بالرسالة الوزيرية، ويقال: إنه جمع على عمل هذه الرسالة أربعين فقيها. وقتل الفاطميون
146
أبا بكر بن هديل وأبا إسحاق بن البرذون من فقهاء السنة وسحبوهما في أذناب الخيل لعدم إفتائهما بمذهب جعفر بن محمد الذي سموه مذهب أهل البيت. وابتنى الحاكم
147
المدارس بمصر وجعل فيها الفقهاء والمشايخ ثم قتلهم وخربها وأحرق نحو ثلث مصر ونهب نحو نصفها، ومن جملة من قتلهم الحاكم من أهل العلم أبو شامة جنادة اللغوي الهروي لما قدم مصر وكان من الفضلاء
148
النبلاء.
ولما قدم المعز في القرن الرابع عطل مذهب الفاطميين وأمر بقتل الشيعة في إفريقية، حواضرها وبواديها
149
فلم يبق منهم أحد، وحمل الناس على مذهب الإمام مالك ومنع ما عداه. وكان بإفريقية مذهب الصفرية والشيعة والأباضية والنكارية والمعتزلة، ومن مذاهب أهل السنة الحنفية والمالكية، فلم يبق في أيامه غير مذهب مالك. ووصف النويري
150
هذه المذبحة، فقال: ركب المعز في القيروان، والناس يسلمون عليه ويدعون له، فمر بجماعة فسأل عنهم فقيل: هؤلاء رفضة والذين قبلهم سنة، فقال: وأي شيء الرفضة والسنة، قالوا: السنة يترضون عن أبي بكر وعمر، والرفضة يسبونهما، فقال: رضي الله عن أبي بكر وعمر، فانصرفت العامة من فورها إلى ناحية تشتمل على جماعة منهم فقتلوا منهم جماعة، ووقع القتل فيهم فصادفت شهوة العسكريين وأتباعهم طمعا في النهب، وانبسطت أيدي العامة فيهم، فأقبل عامل القيروان يظهر أنه يسكن الناس وهو يحرضهم ويشير إليهم بزيادة الفتنة، فقتل من الرفضة خلق كثير في ديارهم وحوانيتهم وأحرقوهم بالنار وانتهبت ديارهم وأموالهم، وزاد الأمر واتصل القتل فيهم في جميع بلاد إفريقية، وقيل: إن القتل وقع فيهم في جميع المغرب في يوم واحد في المدائن والقرى، فلم يترك رجل ولا امرأة ولا طفل إلا قتل وأحرق بالنار، ونجا من بقي منهم بالمهدية إلى الجامع الذي بالحصن فقتلوا فيه عن آخرهم، وخرج من بقي من المشارقة وهم الرفضة إلى قصر المنصور بظاهر المنصورية وهم زهاء ألف وخمسمائة وتحصنوا به فحاصرهم أهل السنة واشتد عليهم الحصار فقتلوا عن آخرهم. ا.ه.
ولابن العذارى في هذه المأساة الإفريقية تعليل برواية أخرى قال: كان المعز ابن باديس صغيرا فربي في حجر وزيره أبي الحسن بن أبي الرجال وكان ورعا زاهدا، وكانت إفريقية كلها والقيروان على مذهب الشيعة وعلى خلاف السنة والجماعة من وقت تملك عبيد الله المهدي لها، فأدب ابن أبي الرجال المعز على مذهب مالك، والشيعة لا يعلمون ذلك ولا أهل القيروان، فخرج المعز في بعض الأعياد إلى المصلى وهو غلام فكبا به فرسه، فقال عند ذلك أبو بكر وعمر، فسمعته الشيعة التي كانت في عسكره فبادروا إليه ليقتلوه، فجاء عبيده ورجاله ومن كان يكتم السنة من أهل القيروان ووضع السيف في الشيعة فقتل منهم ما ينيف على ثلاثة الآلاف، وصاح بهم في ذلك الوقت صائح الموت فقتلوا في سائر بلاد إفريقية . وكان التشيع في القرن الرابع غالبا على أهل قم
151
في فارس وأهل الكوفة في العراق وبلاد إدريس بن إدريس، وهي طنجة وما والاها في المغرب، وجاء زمن وليس في الأندلس إلا مذهب
152
مالك، فإن ظهروا على حنفي أو شافعي نفوه.
وكان في الدولة الفاطمية ديوان عظيم يتولى الدعوة لمذهبهم واسم رئيسه «داعي الدعاة»
153
تقرأ عليه مذاهب أهل البيت بدار تعرف بدار العلم، ويأخذ العهد على من ينتقل إلى مذهبهم على أن يستر جميع ما عرف إلا ما أطلق له أن يتكلم به، وأن ينصح ويخلص للإمام، وكان الشيعة إذا قوي سلطانهم في ناحية قتلوا من خالفهم بعد دعوته إلى مذهبهم، وإذا قويت المذاهب الأخرى قتلوا هم فرادى وجماعات. وهكذا الحال في بعض المذاهب الأخرى، ولكن منها ما تصل به الحماسة إلى قتل مخالفه، ومنهم من يكتفي باضطهاده ونفيه وتشريده وإهانته.