تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة 277 منع المعتضد من بيع كتب الفلسفة والمنطق وتهدد على ذلك، وفي سنة 289 حلف الوراقون في دار السلام ألا يبيعوا كتب الكلام والجدل والفلسفة وكان لهذا المنع ما يبرره بعض التبرير؛ لأن الفلسفة أخذت في هذه الحقبة تهاجم الدين بمقياس واسع، وكانت فتنة ابن قريش بمصر (285)، وذلك أنه أنكر أن يكون أحد خيرا من أهل رسول الله فوثب به الرعية فضرب بالسياط فمات بعد يومين، وقتل الخليفة ابن حبان البستي من أعلم أهل عصره ومن طبقة البخاري في الحديث، بدعوى أنه يعرف بعض العلوم الرياضية

142 (354)، ولعل السبب لأنه ألف كتابا في القرامطة وقال حاسدو فضله: إن هواه كان معهم.

وتتبع محمود الغزنوي لما فتح الري وغيرها في سنة 420 طائفة من المعتزلة ونفاهم وأحرق كتب الفلسفة والاعتزال والنجامة، فلقي منه علماء المعتزلة الألاقي مع أنه كان يحب الفلسفة ويعطف على الفلاسفة، وربما كان هذا مما حمل ابن الطيب المتكلم البصري المعتزلي (436)، وكان عالما بعلم كلام الأوائل، أن يتقي أهل زمانه في التظاهر به، فأخرج ما عنده في صورة متكلمي الملة الإسلامية وأحكم ما أتى من ذلك، وكان مذهب الاعتزال انتشر في مصر في جملة ما انتشر فيه من الأقطار، ولكن المقاومة كانت شديدة له أكثر من مقاومة مصر للتشيع في عهد الفاطميين؛ لأنه كان من وراء التشيع قوة تحميه ودولة تمليه، والاعتزال رائده العلم والنظر، حتى قال أحدهم في القرن الرابع من قصيدة:

فإن سلكت طريق العلم تطلبه

بالبحث أبت بتكفير من الناس

وكان قائل هذا سيبويه المصري من علماء المعتزلة فاختلط، فقال المؤرخ ابن زولاق مدون أخباره: وإنما كان الناس يتابعونه لما اشتهر عنه من اختلاطه، ولو تكلم بهذا أبو بكر بن الحداد أو أبو جعفر الطحاوي (وكلاهما من أكبر قضاة مصر وعلمائها)، ومن يشبههما لقتل لوقته بغير مشاورة.

ومن الأمور الطبيعية أن يخاف الأمويون والعباسيون على ملكهم ممن يخالفونهم ويتربصون الدوائر بدولتهم، ولكن ليس من العدل في شيء أن يقتل مخالفوهم باسم الدين والذود عن الشريعة، وفي الغالب أن يكون المعاقبون من أعيان الملة ومن أوعية العلم، ولقد أوذي العلماء بحجج كثيرة وفي مقدمتهم علماء المعتزلة، وأوذي الشيعة والخوارج؛ لأن مذهبهم من المذاهب السياسية الصرفة، والإسلام في الحقيقة ممزوج بالسياسة وهو لها ملازم غير مفارق، ولو جردوا العلم عن السياسة لما استطاع خليفة أن يدعي أنه قتل فلانا لأنه خالف الشرع، وكان الأولى أن يقال: إنه خالف السياسة.

مثال من ذلك الحسين بن الحلاج فهو رجل عظيم، ربما كان في كلامه بعض العهدة، ولكنه ظل متمتعا بحريته إلى اليوم الذي ثبت فيه للخليفة أنه كان بينه وبين رئيس القرامطة اتفاق سري على قلب الدولة،

143

وعند ذلك قتله متهما إياه بالإلحاد، وما كان بالملحد شأن عشرات غيره اتهموهم بالإلحاد علنا، والتهمة في جوهرها سياسية لا يريد الخليفة أن يقول: إن فلانا يريد القضاء على سلطاني، ويتهمه بأنه يحاول أن يعبث بالدين، ولطالما كان الدين تكأة يتكئ

144

عليها بعض السياسيين.

جد الشيعة في نشر مذهبهم، والدعوة إليه من أركان المذهب، ولما قامت دولة الفاطميين من بني عبيد في إفريقية (296ه) ثم استولت على مصر حاولت نشر مذهبها بالسيف، فمن قبله نجا ومن أبى قتل، وأفنت في إفريقية من كان بها من أئمة المذاهب الثلاثة قتلا ونفيا وتشريدا، ويروي ابن الأثير أن أبا عبد الله الشيعي لما وصل إلى رقادة من عمل القيروان جلس رجل يعرف بالشريف ومعه الدعاة، وأحضروا الناس بالعنف والشدة، ودعوهم إلى مذهبهم فمن أجاب أحسن إليه، ومن أبى حبس، فلم يدخل في مذهبهم إلا بعض الناس وهم قليل، وقتل كثير ممن لم يوافقهم على مذهبهم. وأخرج الظاهر الفاطمي (416) من بمصر من فقهاء المالكية وغيرهم، وأمر الدعاة أن يحفظوا الناس كتاب دعائم الإسلام ومختصره، وجعل لمن يحفظ ذلك مالا. وألف يعقوب بن كلس وزير الفاطميين بمصر كتابا في فقه الإسماعيلية حرج على الناس أن لا يطالعوا غيره، ونشط الفاطميون كل من حضره ووعاه، وكان ابن كلس

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٨٥